الأربعاء، 23 مايو 2012

الجزىء الثاني من كتاب كتاب فلسطين وأخطاء المؤرخين العرب القدماء

الجزىء الثاني من كتاب
كتاب
فلسطين وأخطاء المؤرخين العرب القدماء
جميل خرطبيل

هوامش الفصل الثالث: المؤرخون العرب القدماء
(1) مروج الذهب ومعادن الجوهر: ص 4.
(2) يذكر ابن خلدون كما سيأتي في الحديث عنه, رواية تقول إن كنعان أول من ملك في الأرض: (وفي كتاب البدء ونقله ابن سعيد: أنّ أول من ملك الأرض من ولد نوح, كنعان بن كوش بن حام... ) [تاريخ ابن خلدون: المجلد 2 - ص 27].
ولكن الجميع تداولوا قول السدي إن الملوك الذين ملكوا الأرض كلها مؤمنان وكافران: (نمرود وسليمان بن داود وذو القرنين وبخت نصر).
(3) حكاية بلعم "بلعام" كما رواها الطبري:
(فلما انتهوا إلى أرض كنعان وبها بلعم بن باعور المعروف وكان رجلاً قد آتاه الله علماً وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم فيما يذكرون الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى...
... عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى لما نزل أرض بني كنعان من أرض الشام وكان بلعم ببالعة قرية من قرى البلقاء, فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل أتى قوم بلعم إلى بلعم فقالوا له يا بلعم هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ويسكنها, وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم. فقال ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم. قالوا ما لنا من منزل, فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن. فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حسبان, فما سار عليها غير قليل حتى ربضت به فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها, فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به ففعل مثل ذلك فقامت فركبها, فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها يضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك, فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل, جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله لسانه إلى قومه, ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه أتدري يا بلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا, قال فهذا ما لا أملك, هذا شيء قد غلب الله عليه. واندلع لسانه فوقع على صدره, فقال لهم قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال؛ جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر... ) [تاريخ الطبري: ج 1 - ص 258].
كما أن الطبري يروي خبراً آخر عن السدي يجعله من بني إسرائيل:
(وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم وكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر وأتى الجبارين, فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم, أدعو عليهم دعوة فيهلكون. فكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء من عظمهن فكان ينكح أتاناً له. وهو الذي يقول الله عز وجل "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا" أي فبصر فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين...).
ونلاحظ التخمينات دائماً وعدم اليقين فمنهم من جعله كنعانياً وآخرون من سلالة لوط وآخرون من جعله إسرائيلياً, ومنهم من جعله نبياً.. ومنهم من قال إنه المقصود في الآية القرآنية: [وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ] (سورة الأعراف/ الآية 175), ومنهم من قال إن الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت, ومنهم من قال هو شخص من اليمن, ومنهم قال في غيره..
وندور في حلقة مفرغة أمام الظنون. والمقصود من هو - وكما ذكرنا عن الحكايات – أخذ العبرة من إنسان منحه الله النعم والقدرة فاستكبر واستعلى, فهوى إلى الدرك الأسفل, وهي تعني كل إنسان يتصف بذاك المسلك. لكن ذلك لم يقنع فضول الفضوليين فأخذوا يلهثون بحثاً عن تجسيدات لكل المعاني والمجردة!
(4) مغاور قمران: وثائق مخطوطات البحر الميت يعود أقدمها إلى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد, وآخرها منتصف القرن الأول الميلادي.
وهناك تشابه كبير بين المخطوطات وبعض نصوص العهد الجديد؛ الحياة الجماعية المشتركة, والطقوس كطقس التعميد, والمائدة..
جاء في دائرة المعارف الكتابية حول "البحر الميت – لفائف البحر الميت":
(كانت الطائفة تتكون من جماعة من الكهنة والعلمانيين يحيون حياة مشتركة في تكريس متزمت لله. وقد كشفت أسرار النبوة لمؤسس الطائفة وهو كاهن يوصف بأنه "المعلم البار". وكان من أهم مظاهر حياة الجماعة تفسير الكتب المقدسة بما يتفق مع شهادة الطائفة ونهاية الدهر. وقد أرسل الله "المعلم البار" ليعلن الدينونة التي ستحل بإسرائيل..)..
(وقد رفض هذه الرسالة رفضاً باتاً، الكاهن الشرير وأتباعه الذين كانوا يهتمون بحرفية التوارة لا بروحانيتها وواضح أن الإشارة إلى الكاهن الشرير كانت تعني رئيس الكهنة في أورشليم حيث يقال عنه "الحاكم في "إسرائيل"  والذي يحمل "الاسم الحقيقي". وحيث توجد إشارة واضحة لرياسة الكهنوت، فلا بد أنه قد حدث صدام معين في بدء تاريخ الجماعة، بين "المعلم البار" ورئيس الكهنة الأورشليمي، لأن التفسير يتحدث عن اضطهاد الكاهن الشرير للمعلم البار والأضرار به جسدياً، وقد بلغ الصدام ذروته في يوم الكفارة حين قضى الكاهن الشرير على المعلم البار وجعل أتباعه يعثرون. وهذه بلا شك، إشارة إلى موت القائد وتبدد الأنصار..).
(ويصور لنا "قانون الجماعة" المسيا مشتركاً في وليمة في العصر الجديد، وكان الحاضرون يجلسون بحسب مقامهم. وقام الكاهن الرئيسي ببركة الخبز والخمر، ثم قام المسيا  الذي كان يشغل مركزا ثانوياً  ببركة الطعام أيضاً)..
وتقول الموسوعة في الفقرة د - جماعة قمران والمسيحية:
(حاول بعض العلماء أن يروا في جماعة قمران إرهاصاً واضحاً بالمسيحية, باعتبار أن أقوى وجوه الشبه هو المعلم البار كالمسيا، والحياة المنضبطة المنظمة التي لها أسرارها المقدسة)... (إن وجه الشبه الوحيد بين تعاليم جماعة قمران وتعليم يسوع ينحصر في الأصحاح الخامس من إنجيل متى، كما أن أصداء أسلوب قمران في العهد الجديد تقتصر على بعض العبارات مثل "أبناء النور"، "الحياة الأبدية"، "نور الحياة"، "أعمال الله"، و "ليكونوا واحداً")..
ويتحدث د. عبد الوهاب المسيري في "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" عن مخطوطات البحر الميت, فيقول:
(فطقس التعميد وهـو أحد أهم الطقوس المسيحية له نظيره في نصوص قواعد الجماعة حيث يرد: "إن الماء الطاهر ليُطهِّر الشخص الذي يرتضي لنفسه الخضوع للحق والإيمان بشريعة الرب حقاً، تطهــيراً من آثامـه ولا يتطـهر لو اغتسـل بالأنهــار والبــحار وهــو لا يزال على شـريعة مخالفة". يرد ذلك تمشياً مع المنهج الأخلاقي لسـفر أشعياء: "اختنوا أولاً غرلة قلوبكم قبل ختان غرلة أجسادكم"...)..
كما يذكر د. المسيري أسباب عدم نشر المخطوطات كلها منها لتشابه بعضها مع حياة المسيح وتعاليمه المناقضة لتعاليم الكنيسة وبولس..
وما يهمنا هنا من الأسباب الأخرى ما يذكره عن تلك المخطوطات أنها تنقض ادعاءات الصهيونية حول الشعب اليهودي الواحد:
(ثمة جماعات يهودية متعددة وليس مجرد شعب يهودي واحد ذي تاريخ واحد وتطلعات واحدة. ومن ثم، إن ثبت أن هذه الجماعة كانت تمثل رأياً مهماً ورمزاً أساسياً في الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في وقتها، فإن أسطورة الشعب اليهودي الواحد تتهاوى من الأساس وينهار معها أهم الروافد الأيديولوجية الصهيونية. وحينذاك، نستطيع أن نفهم لماذا يتفق الصهاينة مع المعادين لليهود على طمس وإخفاء هذه الحقائق التاريخية طوال هذه الفترة).
(5) الكتاب مصدره مكتبة التاريخ والحضارة الإسلامية, وهو غير محقق. وورد اسم المؤلف مطهر بن طاهر المقدسي, ووفاته 507 هـ. وسنذكره كصاحب للكتاب حتى لا نكرر اسمه واسم المؤلف الآخر.
لقد ذكر المؤلف في مقدمته بأنه سيكتب عن التاريخ حتى زمنه وهو 355 هـ, وانتهى التأريخ في كتابه عند سنة 350 هـ!!
وفي كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني "حاجي خليفة", وردت أسماء كثيرة للقب المقدسي منها: أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي المتوفى 507 هـ وهو عالم ومحدث مشهور, وليس مؤلف الكتاب التاريخي [ج 1 – ص 88, و ص 608].
ولم يرد أي ذكر للكتاب المذكور لأي مقدسي, ولكن ورد اسم الكتاب للبلخي في ج 1 – ص 227 :
(البدء والتاريخ: للشيخ الإمام أبي زيد أحمد بن سهل البلخي المتوفى سنة أربعين وثلثمائة. وهو كتاب مفيد مهذب عن خرافات العجائز وتزاوير  القصاص لأنه تتبع فيه صحاح الأسانيد في مبدأ الخلق ومنتهاه. فابتدأ بذكر حدود النظر والجدل وإثبات القديم, ثم ابتدأ الخلق وقصص الأنبياء عليهم السلام, وأخبار الأمم وتواريخ الملوك والخلفاء إلى زمانه في ثلاثة وعشرين فصلاً وهو في مجلد واحد).
وتلك الصفات لكتاب البلخي قريبة إلى ما نسب للمقدسي, فالكتاب المنسوب للمقدسي يتألف من اثنين وعشرين فصلاً, ولكنه موزع على ستة أجزاء صغيرة, وموضوعات بدايته متوافقة أما سنة انتهائه ففيها فارق عشر سنوات. كما ورد كلام في المقدمة صفحة 6 متطابق حرفياً مع كلام كشف الظنون " وخرافات العجائز وتزاوير القصاص".
وقد ورد اسم المقدسي في الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني – ج 1 – ص 123: شمس الدين أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني, ويصفه الكاتب بالحافظ الكبير وبكثرة التجوال, ويذكر وفاته سنة 707 أو 708 هـ!!
ووفاة المقدسي المذكور مختلف فيه فقد ذكر أبو العباس أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب في كتابه "الوفيات للقسنطي" ج 1 – ص 282: أن المقدسي المحدث توفي 556 هـ.
فمن هو مؤلف الكتاب, أهو المقدسي الجغرافي المشهور, أم المحدث الكبير, أم الذي اختصر تاريخ الشام لابن عساكر في عشرين مجلداً, أم المقدسي الذي اختصره في ثلاثة.. أم أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الذي له كتاب في الجغرافية أيضاً؟!
إن الخطأ في نسبة بعض أسماء الكتب إلى مؤلفيها بدقة سببه عدم التحقيق؛ حيث ترد عدة أسماء لكتُاب يحملون اللقب نفسه مع تداخل قليل في النسب. كما أن بعض المؤلفين يذكرون اسمهم الأول مع اللقب, أو الكنية مع الاسم الأول, أو الكنية واللقب, وأحياناً يضيع الاسم..
والالتباس نفسه وقع مع كثيرين كما في نسب ابن الأثير المؤرخ, ولا سيما وله أخوان مؤلفان.
(6) يوسف بن كريون: المسمى يوسفوس فلافيوس, وهو كاهن يهودي استسلم للرومان خلال تمرد اليهود, وتنبأ لقائد القوات الرومانية فسباسيان بأنه سيصير إمبراطوراً, فعفى عنه وقربه منه فغير اسمه تملقاً للرومان وتسمى بيوسفوس فلافيوس. وقد شهد مع تيتوس القضاء على اليهود وتشتتهم وخراب أورشليم والمعبد 70 ميلادي. وعاد مع تيتوس إلى روما, ومن كتبه: "تاريخ اليهود القديم وكتاب حرب اليهود". وهو في كتابه عن حرب اليهود يدافع عن سياسة تيتوس وما فعله!
الموسوعة البريطانية: (Britannica), مادة: (Josephus, Flavius).
واعتماد ابن خلدون على يوسف بن كريون لا يعفيه من تحمل مسؤولية نقل الأكاذيب, فالكاتب كاذب وغير ثقة عند الجميع ولا فرق بين كذبه وكذب التوراة.
(7) وهذا يذكرنا بالمؤرخين حيث لم يرق لهم أن يتزوج إسحق ومن بعده ابنه يعقوب من عشيرتهم الوثنية في حران، فلذلك أدخلوا العشيرة في بوتقة الإيمان!
ولكن كيف نسي المؤرخون أن إبراهيم نفسه الذي أرسل ابنه إسحق إلى خاله حتى لا يتزوج كنعانية وثنية, هو نفسه تزوج كنعانية وثنية بل تزوج اثنتين كما يذكر المؤرخون, وكذلك تزوج إسماعيل وثنية, ويوسف أيضاً..!
(8) الحكاية كما في التوراة: أحب شكيم بن حمور دينة ومارس الجنس معها. ثم طلب من أبيه أن يخطبها له ليتزوجها. فوافق الأب وطلبها من يعقوب فوافق. وتم الاتفاق على الزواج لكن بشرط أن يختتن شكيم وكل قومه (تكوين 34/ 15 - 16).
ويوافق حمور وشكيم. ويختتن أفراد القبيلة كلهم. لكن الاختتان كان "كيد ومكروا بهما لأنه دنس دينة أختهم" (تكوين 34/ 13).
وفي اليوم الثالث، انقض عليهم شمعون ولاوي من أبناء يعقوب، وقتلوا بالسيف كل ذكر في القبيلة بما في ذلك حمور وشكيم. ثم نهبوا القبيلة وسبوا الأطفال والنساء. (تكوين 34/ 25 وما بعد..).
(9) صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ج 4 - ص 160.
(10) صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ج 4 - ص 164.
*     *     *
الفصل الرابع:
الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية
تحدثنا سابقاً عن دخول الإسرائيليات من بابها العريض إلى التراث الإسلامي بما في ذلك تفاسير القرآن الكريم. فالقرآن حوى الكثير من قصص الأنبياء والتكوين والخلق.. ولم يكن المقصود من القصص القرآنية غير الوعظ والإرشاد والتوجيه واتخاذ العبرة, والتربية السلوكية والتهذيب النفسي ضمن المنظور القرآني.
فالقرآن الكريم كتاب دين وشريعة, وليس كتاباً في العلوم, ومن هنا أخطأ كل من لفق استنباط العلوم المختلفة من القرآن مسقطاً عليه الاكتشافات والنظريات الحديثة, والتي ثبت عقمها فيما بعد, مما أدى إلى إحراج صاحبها والإساءة إلى مشاعر أتباع نظريته!
لقد استوعب المفسرون قديماً ثقافة عصرهم, فانعكست على فهمهم للنص القرآني, وكونت لديهم رؤى في التفسير تلتقي رؤاهم في التأريخ. وما التفاسير العديدة عبر العصور إلا انعكاس لتلك الرؤى وضمن الخلفية المذهبية والسياسية التي ينتمي إليها المفسر.
لقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة في سور متفرقات تتعلق بقصص الأنبياء عدا قصة يوسف التي وردت كاملة في موضع واحد. ووجد المفسرون أنفسهم أمام إشكالية الزمان والمكان المبهمين, ولم يتقبلوا أن يكونا مطلقين, وكذا الأعلام. فرأوا أن مهمة التفسير تحديد الزمان والمكان والأعلام, وأن التفسير والشرح يعني الدخول في التفصيلات, وهذا دفعهم باتجاه المصدر الأوسع!
ولم يجدوا أمامهم سوى التراث اليهودي لينهلوا منه التوضيح والتفسير من جانب, ولاستكمال حبكة الحكاية من جانب آخر. واندفع بعضهم للغوص في التفاصيل الجزئية سواء بالاعتماد على المصدر السابق أو بالاعتماد على تلفيق القصاصين ومخيلتهم الواسعة في هذا الإطار..
وصارت الصورة العامة إخضاعَ النص القرآني إلى الرؤية التوراتية (ونعني العهد القديم من الكتاب المقدس), على ما في الرؤيتين من تعارض مما أدى إلى الإساءة إلى النص القرآني!
فالقرآن في بنائه للقصة أو الحكاية لم يلتفت إلى تحديد عنصري الزمان والمكان, فالفكرة الغائية تتم عبر الحدث وما يتخلله من توجيهات ومواعظ. ولو كان هدفه الحقيقة الزمانية والمكانية لأعلنهما, ليريح فضول الساعي إليهما.
إن فهم النص يعتمد على مدلولاته اللغوية وفي الوقت نفسه استيعاب أسلوبه البلاغي. ومن هذا المنطلق سنستبعد التفاسير التي شطحت في عالم الخيال والأوهام بعيداً عن لغة النص وآليته, لأن النص ليس خارج ضوابط مدلولات لغته ومجازاتها. وهذا يعني رفض التفاسير التي بنيت على أساس رمزي أو صوفي أو طائفي.. لأن التأويلات فيها وهمية لا تخضع للعقل والمنطق.. وتلك الطرق في التفسير لا ضابط لها, لأنها مبنية على أساس خاطئ وهو أن للقرآن ظاهراً وباطناً؛ والظاهر للعوام أما الباطن فهو للخواص!
وقد تم اختيار بعض أشيع التفاسير القديمة لكبار المفسرين (1).
***
هناك آيات قرآنية تتعلق بقصص الأنبياء وهي تتحدث عن الأرض والقرية, وقد فسرها علماء المسلمين بفلسطين والشام استناداً إلى التوراة, وهم بذلك جعلوا التوراة مرجعية للقرآن! كما أن هناك آيات أخرى ألحقوها بتلك الرؤية الخاطئة.
فمن الآيات التي تتحدث عن الأرض والقرية:
1- [يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ] سورة المائدة - الآية 21.
2- [وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ..] سورة البقرة - الآية 58. ومثلها الآية [وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ] سورة الأعراف – الآية 161.
3- [وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ] سورة الإسراء – الآية 104.
4- [وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ] سورة يونس – الآية 93.
5- [وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] سورة الأنبياء - الآية 71.
***
ومن الآيات الملحقة بالرؤية الخاطئة:
[وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ, وَطُورِ سِينِينَ] سورة التين الآيات الأولى.
***
1- [يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ] سورة المائدة - الآية 21:
تفسير الطبري:
حاز الطبري على إعجاب علماء المسلمين وثقتهم رغم ما أدخله من الإسرائيليات والخرافات في تاريخه وتفسيره, وقد عدوه رأس المفسرين (2).
وهو يهتم بالسند كثيراً, وهنا سنحذف السند للاختصار رامزين بنقاط قبل الراوي.
يقول الطبري في شرح الآية:
(اختلف أهل التأويـل فـي الأرض التـي عناها بـالأرض الـمقدسة، فقال بعضهم: عنى بذلك: الطور وما حوله, ذكر من قال ذلك:
... عن مـجاهد: الأرض الـمقدسة: الطور وما حوله.
(بسند آخر) ... عن مـجاهد، مثله.
... عن مـجاهد عن ابن عبـاس: "ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَةَ", قال: الطُّور وما حوله.
وقال آخرون: هو الشأم. ذكر من قال ذلك:
... عن قتادة فـي قوله: "الأرْضُ الـمقدّسة" قال: هي الشأم.
وقال آخرون: هي أرض أريحاء. ذكر من قال ذلك:
... أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: "ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ", قال: أريحاء.
... عن السديّ، قال: هي أريحاء.
... عن ابن عبـاس، قال: هي أريحاء.
وقـيـل: إن الأرض الـمقدسة دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ. وعنى بقوله "الـمُقَدَّسَة": الـمطهرة الـمبـاركة.
... عن مـجاهد: "الأرْضَ الـمُقَدَّسَة", قال: الـمبـاركة.
( بسند آخر) ... عن مـجاهد، بـمثله.
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: هي الأرض الـمقدسة، كما قال نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول فـي ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقـيقة صحته إلاَّ بـالـخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تـخرج من أن تكون من الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويـل والسير والعلـماء بـالأخبـار علـى ذلك).
يضعنا الطبري أمام تفسيرات كثيرة للأرض المقدسة نوجزها كما يلي:
الطور: مجاهد, ابن عباس.
الشام: قتادة.
أريحاء: ابن زيد, السدي, ابن عباس.
دمشق وفلسطين وبعض الأردن: مجاهد.
ونلاحظ أن لمجاهد رأيين: 1- الطور, 2- دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
ولابن عباس رأيان: 1- الطور, 2- أريحاء.
قتادة رأي واحد: الشام.
السدي وابن زيد رأي واحد: أريحاء.
كما أن لمجاهد تفسيراً لمعناها وهو المباركة.
والطبري في النهاية يجمع بين الآراء كلها: الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر, بمعنى آخر من النيل إلى الفرات!
***
تفسير ابن كثير:
(قال تعالى مخبراً عن موسى أنه قال: يا قومي ادخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة. وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ادخلوا الأرض المقدسة، قال: هي الطور وما حوله، وكذا قال مجاهد وغير واحد. وروى سفيان الثوري عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس، قال: هي أريحاء، وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين. وفي هذا نظر، لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون اللهم إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه، لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس).
***
تفسير القرطبي:
(وتظاهرت الأخبار أن دِمشق قاعدة الجبارين. و"المُقَدَّسَةَ" معناه المطهرة. مجاهد: المباركة؛ والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قَتَادة: هي الشام. مجاهد: الطُّور وما حوله. ٱبن عباس والسُّديّ وٱبن زيد: هي أريحاء. قال الزّجاج: دِمشق وفلسطِين وبعض الأرْدُنّ. وقول قَتَادة يجمع هذا كله).
ورواية الزجاج هنا تتفق مع رواية مجاهد.
***
تفسير البغوي:
(اختلفوا في "الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ قال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس. وقال عكرمة والسدي: هي أريحاء. وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقال قتادة: هي الشام كلها. قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه وبها أكثر عباده).
ورواية الكلبي هنا لا تختلف عن روايتي مجاهد والزجاج. وما قاله عكرمة إنما رواه عن ابن عباس.
***
تفسير أبي حيان الأندلسي:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", المقدسة المطهرة، وهي أريحا قاله السدي وابن زيد، ورواه عكرمة عن ابن عباس. وقيل: موضع بيت المقدس. وقيل: إيليا..
وقال ابن الجوزي: قرأت على أبي منصور اللغوي قال: إيليا بيت المقدس... وقيل: الطور، رواه مجاهد عن ابن عباس، واختاره الزجاج. وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن. قال قتادة: هي الشام...
قال الطبري: لا يختلف أنها ما بين الفرات وعريش مصر قال: وقال الأدفوي: أجمع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار أنها ما بين الفرات وعريش مصر...
والتقديس: التطهير قيل: من الآفات. وقيل: من الشرك، جعلت مسكناً وقراراً للأنبياء، وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة. وقيل: المقدسة المباركة طهرت من القحط والجوع، وغير ذلك قاله مجاهد. وقيل: سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب، ومنه قيل: للسطل قدس لأنه يتوضأ به ويتطهر).
***
تفسير ابن الجوزي:
(وفي معنى "المُقَدَّسَةَ" قولان:
أحدهما: المطهرة، قاله ابن عباس والزجاج. قال: وقيل للسطل: القدس لأنه يتطهر منه، وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكناً للأنبياء والمؤمنين.
والثاني: أن المقدسة: المباركة، قاله مجاهد.
وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال:
أحدها: أنها أريحا، رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي وابن زيد. قال السدي: أريحا: هي أرض بيت المقدس. وروي عن الضحاك أنه قال: المراد بهذه الأرض إيلياء وبيت المقدس...
والقول الثاني: أنها الطور وما حوله، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به.
والثالث: أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والرابع: أنها الشام كلها، قاله قتادة).
ورواية الضحاك التي تفسر الأرض بإيليا وبيت المقدس, هي رواية للسدي فسر فيها أريحا بأرض بيت المقدس. كما أن ابن عباس له رأي لم يذكره الطبري وهو: دمشق وفلسطين وبعض الأردن, وهذا يعني أن لابن عباس ثلاثة آراء!
***
تفسير الألوسي:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", كرر النداء مع الإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر، ومبالغة في حثهم على الامتثال به، والأرض المقدسة هي ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي وابن زيد بيت المقدس. وقال الزجاج: دمشق وفلسطين والأردن. وقال مجاهد هي أرض الطور وما حوله. وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش مصر.
والتقديس: التطهير، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو لأنها مطهرة من الآفات. وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة، أو لأنها طهرت من القحط والجوع، وقيل: سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب).
ورد سابقاً تفسير الأرض عند ابن عباس وابن زيد والسدي بأريحا, كما فسر السدي أريحا بأرض بيت المقدس.. وهنا تصير الأرض عند الثلاثة, بيت المقدس!
***
تفسير البيضاوي:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ": أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومسكن المؤمنين. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقيل الشام).
***
تفسير النسفي:
(أي المطهرة أو المباركة وهي أرض بيت المقدس أو الشام).
***
تفسير الثعالبي:
("المُقَدَّسَةَ" معناه: المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام. قال الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ. قال: وتظاهرت الرواياتُ؛ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ).
***
تفسير السيوطي "الدر المنثور":
(أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله "الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ" المائدة: 21, قال: هي المباركة.
وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال: الأرض ما بين العريش إلى الفرات.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله "الأَرْضَ المُقَدَّسَةََالمائدة: 21, قال: هي الشام).
تفسير الجلالين:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ": المطهرة, "الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ": أمركم بدخولها وهي الشام).
***
تفسير الصنعاني:
(عن قتادة في قوله تعالى: "الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", قال هي الشام).
***
تفسير أبي السعود:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", والأرض هي أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين. وقيل هي الطور وما حوله, وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن وقيل هي الشام).
***
تفسير مجاهد:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", يعني الطور وما حوله..).
***
تفسير الواحدي:
("يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ", المطهرة يعني الشام, وذلك أنها طهرت من الشرك وجعلت مسكناً للأنبياء).
***
تفسير الشوكاني:
(وقد اختلف في تعيينها؛ فقال قتادة: هي الشام. وقال مجاهد: الطور وما حوله. وقال ابن عباس والسدى وغيرهما: أريحاء. وقال الزجاج دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده. والمقدسة المطهرة وقيل المباركة).
***
التفسير كما نرى رأي لرواة الإسرائيليات السدي وقتادة ومجاهد والكلبي وابن زيد والضحاك.. وهؤلاء بنوا رأيهم على الخلفية التوراتية وليس على معطيات الآية, وهم مشهورون بالكذب والتأليف كما مر معنا, فكيف يعتمد عليهم المفسرون في تفسيرهم للقرآن؟!
من المفترض عند المفسرين أن يكون القرآن هو الأصل وعلى ضوئه يدرسون التوراة وبقية الأديان من خلال التقاطع والتعارض مستبعدين أية إضافات, وليس العكس أن تكون التوراة وبقية الأديان هي الأصل وعلى ضوئها يدرسون القرآن فيستكملون ما فيه لخلق المقاربة!
ثم, هل أعطت تلك الآراء المتعددة التفسير الدقيق, أم هي مجرد تخمينات لم تزد النص وضوحاً؟
إن الآية لم تحدد مكاناً أو زماناً, والفضول وحده هو الذي دفع المفسرين والمؤرخين إلى أحضان أولئك الرواة. وإلى الاستعانة بالتوراة ففسروا الآية على ضوئها. وهم بذلك أسقطوا تراث اليهود على تفسير الآيات كما أسقطوه على تاريخ بلاد الشام كما مر!
ونلاحظ من خلال قراءة الآراء أن هناك من فصل بين المعنى والمراد منه:
1- المعنى: المطهرة, والتقديس التطهير, المباركة, المطهرة المباركة, والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه.
2- المراد منه: الطور, أو بيت المقدس إيلياء "المدينة كلها", أو الشام, أو دمشق وفلسطين والأردن, أو بـين الفرات وعريش مصر..
ما المسوغ للفصل عند بعضهم بين المعنى والمراد؟ إن المعنى هو المراد لا أكثر, وبالتالي الأرض المقدسة تعني الأرض المطهرة أو المباركة.
والمقدسة صفة وليست اسم علم, ومن هنا كانت الإشكالية, نتيجة قراءة تلك الآيات بعين توراتية!
ولو كان المراد من الآية الدقة الجغرافية أكان صعباً أن تذكره؟
إذاً نحن أمام تاريخ وجغرافيا دينية, والآية لا تعطيهما أهمية لأن ما يهمها هو الحدث والفكرة والهدفية في الوعظ والإرشاد.
وكلام الطبري الجيد (لأن القول فـي ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقـيقة صحته إلاَّ بـالـخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به).. ينسفه فيما بعد ويعود إلى القبول بما هو إجماع:
(غير أنها لن تـخرج من أن تكون من الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويـل والسير والعلـماء بـالأخبـار علـى ذلك)!
فهل القضية هنا قضية اجتهاد في مسألة فقهية, وحتى لو حظيت بالإجماع؟!
ومن أين أتى الإجماع؟ أليس من خلفية التوراة وبفعل المسربين لتراث الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي, ومن خلال استنساخ الرأي الواحد
إن الزمان والمكان في قصص الأنبياء غير محددين, وليس للمفسر أو المؤرخ الديني أن يحدد على هواه بناء على ادعاءات التوراة الكاذبة والرواة المشكوك بأمرهم. ولكن يحق له ذلك إن كان مثقفاً بالتاريخ العلمي والجغرافية العلمية, وهذا لم يكن متاحاً في تلك العصور. نعم كان مؤرخونا ومفسرونا علماء موسوعيين، ولكنهم لم يتحروا الضبط بما يتعلق بالتاريخ العلمي القديم, وسلموا أقلامهم للتراث اليهودي (3)!
***
2- [وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ..] سورة البقرة - الآية 58:
تفسير الطبري:
(والقرية التـي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخـلوها، فـيأكلوا منها رغداً حيث شاءوا فـيـما ذكر لنا: بـيت الـمقدس. ذكر الرواية بذلك:
... عن قتادة فـي قوله: "ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" قال: بـيت الـمقدس.
... عن السدِي: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِه القَرْيَةَ", أما القرية فقرية بـيت الـمقدس.
... عن الربـيع: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ", يعنـي بـيت الـمقدس.
... أخبرنا ابن وهب، قال: سألته يعنـي ابن زيد عن قوله: "ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا", قال: هي أريحا، وهي قريبة من بـيت الـمقدس).
إن منهج الطبري في تفسيره للآية هنا لا يختلف عن منهجه في تفسير الآية السابقة؛ فالرواة السدي وقتادة وابن زيد.. وقد يضاف إليهم رواة آخرون لكنهم لا يختلفون عنهم كابن وهب.. كما أن اسم القرية مختلف حوله بين أريحا وبيت المقدس!
***
تفسير ابن كثير:
(.. ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصبهاني وغير واحد. وقد قال الله تعالى حاكياً عن موسى: "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ التي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا" الآيات. وقال آخرون هي أريحا، ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد, وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء. وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره. والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام وفتحها الله عليهم عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلاً حتى أمكن الفتح).
يضيف ابن كثير هنا مصر التي ذكرها فخر الدين الرازي, لكن ابن كثير يصر على أن القرية هي بيت المقدس.
***
تفسير القرطبي:
(قوله تعالى: "هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ" أي المدينة؛ سُمِّيت بذلك لأنها تقرّت أي اجتمعت؛ ومنه قَرَيت الماء في الحوض؛ أي جمعته؛ واسم ذلك الماء قِرًى "بكسر القاف" مقصور. وكذلك ما قُرِيَ به الضيف؛ قاله الجوهري. والمِقْراة للحوض. والقَرِيّ لمسيل الماء. والقَرَا للظهر؛ ومنه قوله:
لاحِقُ بطنٍ بِقَراً سمينِ. والمقارِي: الجِفان الكبار؛ قال: عظام المقاري ضيفهم لا يُفْزَّع. وواحد المقاري مِقراة؛ وكله بمعنى الجمع غير مهموز. والقِرية (بكسر القاف) لغة اليمن. واختُلف في تعيينها؛ فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقيل: أرِيحاء من بيت المقدس. قال عمر بن شَبّة: كانت قاعدة ومسكن ملوك. ابن كَيْسَان: الشام. الضحاك: الرَّمْلة والأُرْدُنّ وفلسطين وتَدْمُر).
القرطبي له إضافتان: 1- الشام: ابن كيسان, 2- الرَّمْلة والأُرْدُنّ وفلسطين وتَدْمُر: الضحاك.
***
تفسير أبي حيان الأندلسي:
(والقرية هنا بيت المقدس في قول الجمهور، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدّي والربيع وغيرهم. وقيل: أريحا، قاله ابن عباس أيضاً، وهي بأرض المقدس. قال أبو زيد عمر بن شبة النمري: كانت قاعدة ومسكن ملوك، وفيها مسجد هو بيت المقدس، وفي المسجد بيت يسمى إيليا. وقال الكواشي: أريحا قرية الجبارين، كانوا من بقايا عاد، يقال لهم: العمالقة ورأسهم عوج بن عنق. وقيل: الرملة قاله الضحاك. وقيل: أيلة. وقيل: الأردن. وقيل: فلسطين. وقيل: البلقا. وقيل: تدمر. وقيل: مصر. وقيل: قرية بقرب بيت المقدس غير معينة أمروا بدخولها. وقيل: الشام. روي ذلك عن ابن كيسان، وقد رجح القول الأوّل لقوله في المائدة: "ادخلوا الأرض المقدّسة". قيل: ولا خلاف أن المراد في الآيتين واحد).
***
تفسير النسفي:
("ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ": أي بيت المقدس أو أريحاء. والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق، أمروا بدخولها بعد التيه).
***
تفسير البيضاوي:
("وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ": يعني بيتَ المقدس، وقيل أريحا أمروا به بعد التيه).
***
تفسير البغوي:
(سمّيت القرية قرية لأنها تجمع أهلها، ومنه المقراة للحوض لأنها تجمع الماء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أريحاء وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة، ورأسهم عوج بن عنق، وقيل بلقاء، وقال مجاهد: بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر. وقال مقاتل: إيليا، وقال ابن كيسان: الشام).
***
تفسير ابن الجوزي:
(قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ". والقرية: مأخوذة من الجمع، ومنه: قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء. وفي المراد بهذه القرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي. وروي عن ابن عباس أنها أريحا. قال السدي: وأريحا: هي أرض بين المقدس. والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب).
***
تفسير الألوسي:
(والقرية ـ بفتح القاف ـ والكسر لغة أهل اليمن ـ المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة، وقيل: إن قلوا قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة، والجمع القرى على غير قياس، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف, والمشهور عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي، والربيع، وغيرهم ـ وإليه ذهب الجمهور ـ أنها بيت المقدس).
***
تفسير الثعالبي:
("القريَة": المدينةُ؛ سمِّيت بذلك؛ لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت؛ ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإشارة بهذه إلى بيت المقْدِسِ في قول الجمهور. وقيل: إلى أَرِيحَاء، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شَبَّة: كانت قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إلَيْها).
***
تفسير السيوطي "الدر المنثور":
(أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله "ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ", "البقرة: 58", قال: بيت المقدس).
تفسير الجلالين:
("وَإِذْ قُلْنَا" لهم بعد خروجهم من التيه "ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ" بيت المقدس أو أريحا).
***
تفسير أبي السعود:
(وهي بيت المقدس وقيل أريحا).
***
تفسير الواحدي:
("ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ": وهي أريحا).
***
تفسير الشوكاني:
(قال جمهور المفسرين القرية هي بيت المقدس, وقيل إنها أريحاء قرية من قرى بيت المقدس, وقيل من قرى الشام).
***
تفسير الصنعاني:
(عن قتادة في قوله "ادْخُلُواْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ " قال بيت المقدس).
***
من خلال دراسة التفاسير حول القرية نجد الآراء التالية:
1- أريحاء: ابن عباس والسدي, وهناك رأي للسدي يقول أريحا هي أرض بيت المقدس.
2- بيت المقدس: مجاهد وابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي والربيع ومقاتل.
3- الرملة والأردن وفلسطين وتدمر: الضحاك.
4- البلقاء.
5- الشام: ابن كيسان.
6- مصر: فخر الدين الرازي.
7- قرية من أداني قرى الشام: وهب بن منبه.
ونلاحظ أن ابن عباس له رأيان مرة أريحا وأخرى بيت المقدس، وكذلك السدي إلا أنه قدم رأياً توفيقياً وهو أن أريحا هي نفسها أرض بيت المقدس. وابن كيسان جعلها بلاد الشام كلها, وبدرجة أقل الضحاك فلسطين والأردن وتدمر من سورية إضافة إلى ذكر الرملة وكأنها في منطقة خارج فلسطين. ووهب بن منبه جعلها قرية غير محددة قريبة من حدود الشام. وتفرد الرازي بجعلها مصر!
الآية لم تحدد اسم القرية مما يعني أن المكان ليس مقصوداً أبداً. وتحديد المكان يعني القبول بالرواية التوراتية على ما هي عليه من التزوير والكذب!
إن الآية فيها تخصيص "القرية" بعد العمومية "الأرض المقدسة", وهذا يعني الانتقال من العام المبهم إلى الخاص المحجم المساحة وغير المحدد جغرافياً. فكيف يستقيم تفسيرهم لمساحة صغيرة مبهمة بتلك المساحات الشاسعة المحددة؟
وهل لكذب التوراة ولدجل الإسرائيليات, أولوية في تفسير الآية, دون التفكير بمدلولات الآية نفسها؟!
إن إسقاط اسم العلم على مكان ليحدده جغرافياً, هو تخمين شخصي مبني على الرؤية التوراتية، وإن قيل أجمع الجمهور فهو في النهاية رأي واحد تكرره البقية, وليس ذلك بيقين كما قلنا عن الأرض المقدسة!
ثم لا ننسى المعنى اللغوي للقرية "سُمِّيت بذلك لأنها تقرّت أي اجتمعت؛ ومنه قَرَيت الماء في الحوض؛ أي جمعته. وما قُرِيَ به الضيف؛ قاله الجوهري. والمِقْراة للحوض. والقَرِيّ لمسيل الماء..."..
فهي تعني التجمع ومكان الضيافة وقد يكون ذلك مجرد بستان, ومن هنا تلتها الآية فكلوا منها, والأكل لا يكون للأرض الممتدة عبر الصحارى والجبال… ولا للقرية, إنما لمكان محدد مزروع يجدون فيه الضيافة!
إذاً هي آراء استند بعضها إلى التوراة, وأخرى مبنية على الظنون, أو مزاجية وإلا ما معنى إعطاء رأيين مختلفين ثم مجموعة من الآراء المختلفة, وهذا يعني في النهاية أنها مجرد تخمينات غير مبنية على أسس يقينية وبالتالي لا قيمة لها سواء أكان اعتمادها على التوراة الكاذبة, أم اعتمادها على القصّاصين والرواة الأكذب!
***
3- [وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ] سورة الإسراء – الآية 104:
اكتفى معظم المفسرين بالقول: أرض الشام, أو الشام ومصر. وسنستعرض هنا بعض التفاسير:
تفسير القرطبي:
(قوله تعالى: "فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ" أي أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بالقتل أو بالإبعاد؛ فأهلكه الله عز وجل. "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ" أي من بعد إغراقه "لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ" أي أرض الشأم ومصر).
***
تفسير ابن الجوزي:
(قوله تعالى: "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ" أي: من بعد هلاك فرعون, "لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ": وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: فلسطين والأردن، قاله ابن عباس. والثاني: أرض وراء الصين، قاله مقاتل. والثالث: أرض مصر والشام).
ابن الجوزي هنا يذكر رواية جديدة لمقاتل وهي تفسر الأرض بأنها وراء الصين, لكنه لم يشرح بأي اتجاه!
***
تفسير الألوسي:
("وَقُلْنَا" على لسان موسى عليه السلام "مِن بَعْدِهِ" أي من بعد فرعون على معنى من بعد إغراقه أو الضمير للإغراق المفهوم من الفعل السابق أي من بعد إغراقه وإغراق من معه, "لِبَنِي إِسْرَائِيلَ" الذين أراد فرعون استفزازهم, "ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ" التي أراد أن يستفزكم منها وهي أرض مصر، وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها واتبعهم فرعون وجنوده وأغرقوا, وإن لم يثبت فالمراد من بني إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون استفزازهم، واختار غير واحد أن المراد من الأرض, الأرض المقدسة وهي أرض الشام).
***
تفسير الشوكاني:
(فأراد أن يستفزهم من الأرض أي أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض يعني أرض مصر بإبعادهم عنها, وقيل أراد أن يقتلهم, وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض. وقد تقدم قريباً معنى الاستفزاز.. فأغرقناه ومن معه جميعاً فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق ولم يبق منهم أحداً . وقلنا من بعده لبنى إسرائيل: "ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ" أي من بعد إغراقه ومن معه, والمراد بالأرض هنا أرض مصر التي أراد أن يستفزهم منها).
الشوكاني هنا أوضح من غيره في سبب تفسير الأرض بمصر, ففرعون أراد طردهم منها, فكانت النتيجة موته, وإعادة الإسرائيليين إليها. وهو ما سيذكره أبو السعود أيضاً.
***
تفسير أبي السعود:
(فأراد أي فرعون أن يستفزهم أي يستخفهم ويزعجهم من الأرض أرض مصر أو من الأرض مطلقاً بالقتل, كقوله "سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم, فأغرقناه ومن معه جميعاً", فعكسنا عليه مكره واستفززناه وقومه بالإغراق. "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ" من بعد إغراقهم لبني إسرائيل "ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ" التي أراد أن يستفزكم منها).
***
تفسير أبي حيان الأندلسي:
(واستفزازه إياهم هو استخفافه لموسى ولقومه بأن يقلعهم من أرض مصر بقتل أو جلاء، فحاق به مكره وأغرقه الله وقبطه. أراد أن تخلو أرض مصر منهم فأخلاها الله منه ومن قومه. والضمير في "مِن بَعْدِهِ" عائد على فرعون أي من بعد إغراقه، و"ٱلأَرْضَ" المأمور بسكناها أرض الشام).
***
التفاسير السابقة تفسر الأرض والقرية بمصر أو الشام وغيرها, وسنستبعد رواية مقاتل عن الصين لأننا لا ندري لماذا اختارها, بل لا ندري كيف خطرت في باله. ولنقف عند الرازي الذي فسر الأرض بمصر, لأن ذاك مفتاح لفهم الآيات المتعلقة بالقرية أو بالأرض المقدسة:
أولاً: مصر تعني البلد, وليس الدولة المعروفة حالياً بجمهورية مصر العربية, والتاريخ العلمي لمصر القديمة "الدولة" لم يثبت وجود الإسرائيليين في مصر ولا قضية خروجهم منها, وأيضاً لا يوجد في تاريخ مصر من اسمه فرعون لا كاسم ولا كلقب. كما أن المؤرخين العرب القدماء ذكروا سلالة الفراعنة الملوك "كالريان بن الوليد, وقابوس بن مصعب بن معاوية, والوليد بن مصعب..", ولا نجد اسم أي من هؤلاء ينطبق على أي ملك من ملوك مصر القديمة المعروفة.
فمصر ليس اسم علم بل هو يعني القرية أو المدينة أو البلد.. والمصر أيضاً الحاجز والحد بين الشيئين, والمصور الحدود كما جاء في معجم لسان العرب.
فيمكن أن يكون المصر هو الحدود بين تجمع هؤلاء الإسرائيليين وتجمع الآخرين! وقد وردت كلمة القرية كمعادل مرادف لمصر في الآية 82 من سورة يوسف: [وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا], فهل تلك الدولة العملاقة هي مجرد قرية؟!
والقرآن لم يحدد مكان المصر هذا كما لم يحدد اسم أرض أو قرية/ القرية, أو مدينة/ المدينة, لأن هدفه من الحكايات التذكير والوعظ, وليس الجغرافيا كما قلنا. وما جاء في شرح الآية 99 من سورة يوسف "اهبطوا مصرَ", مبني على التخمينات نفسها الدائرة في المنهج الكلي للمنظومة وليس يقيناً, فقد ذكر الراغب الأصفهاني:
(المِصْرُ اسمٌ لِكُلِّ بَلَدٍ مَمْصُورٍ أي مَحْدُودٍ، يقالُ مَصَرْتُ مَصْراً أي بَنَيْتُهُ، والمِصْرُ الحدُّ وكان شُرُوطِ هَجَرَ اشْتَرَى فُلانٌ الدَّارَ بمُصُورِهَا أي حُدُودِهَا، قال الشاعرُ:
وجاعِلُ الشمسِ مِصْراً لا خَفاءَ بهِ    بينَ النهارِ وبينَ الليلِ قد فصَلاَ.
وقولُه تعالى: "اهبطوا مصراً" فهو البلدُ المعرُوفُ وصرَفَهُ لِخِفَّتِهِ، وقيلَ بَلْ عَنَى بَلَداً من البِلْدَانِ) (4).
فالأصفهاني صرف الكلمة وهذا جائز في العلم المؤنث الثلاثي الساكن الوسط, ولكنهم عدوا  العلم مصر مذكراً! على أية حال ما يهمنا هو أنه صرفه وبعد أن ذكر المعنى المتداول عند المفسرين, ذكر المعنى الذي نريده وهو: "بلداً من البلدان", وهذا يعني أن التفسير السابق "البلد المعروف" مبني على المنظومة التوراتية وليس يقيناً, لأنه لو كان يقيناً هو وغيره من التفسيرات لما وجدنا عند الجميع إلا تفسيراً واحداً محدداً بالضبط. فمصر في الآية [ٱهْبِطُواْ مِصْرًا] تعني بلداً غير محدد.
كما ورد في معجم لسان العرب ما يؤيد وجهة نظرنا:
(قال أبو إِسحاق: الأَكثر فـي القراءة إِثبات الأَلف، قال: وفـيه وجهان جائزان، يراد به مصرٌ من الأَمصار لأَنهم كانوا فـي تـيه، قال: وجائز أَن يكون أَراد مِصْرَ بعينها فجعَلَ مِصْراً اسماً للبلد فَصَرف لأَنه مذكر، ومن قرأَ مصر بغير أَلف أَراد مصر بعينها كما قال: ادخـلوا مصر إن شاء اللَّه، ولـم يصرف لأَنه اسم الـمدينة، فهو مذكر سمي به مؤنث. وقال اللـيث: الـمِصْر فـي كلام العرب كل كُورة تقام فـيها الـحُدود ويقسم فـيها الفـيءُ والصدَقاتُ من غير مؤامرة للـخـلـيفة).
وفي تفسير ابن كثير: (قيل المراد مصر، قاله قتادة، وقيل غيرها). وهناك رواية تنسب لابن عباس بأنها قرية من قرى مصر.. وكل هذا يجعل التحديد مائعاً ولا قيمة له, ولذلك الرأي السليم هو ما ذكره الأصفهاني: بلد من البلدان.
ثانياً: لنأخذ الدلالات اللغوية ولن نكون جئنا بجديد عن الرأي الذي فسرها بمصر.
فدلالات اللغة هي الأساس في فهم النص, وليس إسقاط ما عند الآخرين من معلومات على النص, لأن ذلك يقود النص إلى الاتجاه الخاطئ.
إن قراءة النص بدلالاته اللغوية تجعلنا نفهم أن فرعون أراد أن يعذب بني إسرائيل ويخوفهم ويرهبهم, ليخرجهم من البلدة التي يعيشون فيها, فأغرقه اللهُ وجنودَه. ثم خاطبت الآية بني إسرائيل - بعد غرق فرعون وجنوده - اسكنوا الأرض أي الأرض التي كنتم فيها فقد زالت منغصات البقاء فيها والارتباط بها, ولم يبق أي مبرر لعدم عودتكم إلى بيوتكم في تلك البلدة, التي عشتم فيها سابقاً.
وهذا ما ذكره الشوكاني وأبو السعود كمنطق لآلية بنية الآية بعد تحليلها, لكن خطأهما أنهما حددا المكان الجغرافي وعنيا مصر الدولة المعروفة, وهذا مقحم على مدلول الآية, لأن منطق بنية الآية لا يدل عليه, فهي بلدة غير محددة جغرافياً!
والإسرائيليون إذا عادوا سيرثون ما كان يمتلكه فرعون كما يذكر ابن كثير في تفسيره للآية: (كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها, وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم كما قال كذلك وأورثناها بني إسرائيل...).
ثالثاً: الآية مفتاح لفهم الآيات المتعلقة بالقرية أو بالأرض المقدسة. فالأرض التي خرجوا منها عادوا إليها وورثوا ممتلكات من كان يضطهدهم, فهي الأرض المقدسة أي المطهرة لأنها تطهرت من حاكمها الطاغية المستبد, ومصر هو القرية التي وردت في الآية 58 من سورة البقرة, والآية 161 من سورة الأعراف؛ واحدة تقول ادخلوا والثانية اسكنوا.
والآية 104 من سورة الإسراء [وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ] توضح الدفع باتجاه السكن بعد تطهير الأرض عقب غرق فرعون وجنوده, ومثلها الآية 21 من سورة المائدة [يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ] فهي تتعلق بالأرض وقد صارت مطهرة من الطغاة, وتقدست.
إن آيات القرآن تفسر بعضها بعضاً؛ فالأرض هي الأرض المقدسة وهي نفسها القرية, والقرية هي بلدة س التي كانوا فيها. وأي حرف زائد على هذا الكلام هو إسقاط من اليهوديات المغرضة.
وشيبه بذلك ما ورد عن الوادي المقدس طوى: [بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى] (سورة النازعات – الآية 16), و(سورة طه – الآية 12)!
فالمقدس هو الطاهر, وتاه المفسرون في بيداء "طوى", فبعضهم عده اسم علم لمكان واستند إلى القصة التوراتية لتحديد مكانه!
إن المفسرين لم يسألوا أنفسهم: لِمَ لمْ تحدد الآيات الزمان وعَلم المكان؟!
ولو سألوا لأجابوا بأن الآيات لا تفصّل كل شيء!
إن قصة موسى وغيره من الأنبياء تكررت مقاطع كثيرة منها, وفي عدد كثير من السور, ورغم التكرار لم يرد اسم علم مكان واحد, كما لا ننسى أن هناك موضوعات كثيرة, وفيها تفصيلات كثيرة!
ولو حدد القرآن اسم علم واحد, ولنفترض بأنه أريحا, فهو لن يبدل مفهوم المجمل والمفصل؛ ومعنى هذا أن المكان مطلق, وتقييد المفسرين له إساءة للآيات القرآنية وللعِلْم وللمعرفة وللتاريخ, ولفلسطين وشعبها ولبلاد الشام كلها!
لقد وردت مواضع في غير قصص الأنبياء القدماء, فيها علم المكان المحدد مثل يثرب ومكة: [وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ] ( الآية 13 من سورة الأحزاب). [بِبَطْنِ مَكَّةَ] (الآية 24 من سورة الفتح), [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً] (الآية 96 من سورة آل عمران).
وقد ذكر الألوسي في شرح بكة: (بكة لغة في مكة عند الأكثرين. والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيراً، ومنه نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم، وقيل: هما متغايران فبكة موضع المسجد ومكة البلد بأسره..).
كما وردت أعلام مختلف حولها تتعلق بالأنبياء لوط وشعيب وموسى؛ فالأول: كلمة المؤتفكات والتي فسرت كعلم لقرى النبي لوط أو صفة للقرى التي دمرت وقالوا هي في الأردن بناء على التوراة. والثاني: كلمة مدين التي وردت في عدد من الآيات؛ حيث ورد أنها قرية أو علم على بئر ماء أو اسم علم لقوم. وقد وردت مدين في آيات تتعلق بالنبي شعيب, ووردت في آيات أخرى ارتبطت بالنبي موسى:
سورة الأعراف/ الآية 85: [وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً] - التوبة/ الآية 70: [وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ] - هود/ 84: [وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً] - طه/ 40: [فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ] - الحج/ 44: [وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ] - القصص/ 22: [وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ] - والآية 23: [وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ] - والآية 45: [وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ] - العنكبوت/ 36: [وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً]..
وقد جاء في تفسير آية الأعراف 85:
تفسير القرطبي: (الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} قيل في مَدْين: ٱسم بلد وقُطْر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بَكْر وتَمِيم. وقيل: هم من ولد مَدْيَن بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين ٱسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجميّ. ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض فهو أحْرَى بألاّ يصرفه. قال المهدويّ: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكيّ: كان زوج بنت لوط).
تفسير البغوي: (قوله تعالىٰ: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}، أي: وأرسلنا إلى ولد مدين وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمٰن عليه السلام، وهم أصحاب الأيكة {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} في النسب لا في الدين).
تفسير ابن الجوزي: (قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ } قال قتادة: مدين: ماء كان عليه قوم شعيب، وكذلك قال الزجاج، وقال: لا ينصرف، لأنه اسم البقعة. وقال مقاتل: مدين: هو: ابن إبراهيم الخليل لصلبه. وقال أبو سليمان الدمشقي: مدين: هو ابن مديان بن إبراهيم، والمعنى: أرسلنا إلى ولد مدين، فعلى هذا هو اسم قبيلة. وقال بعضهم: هو اسم للمدينة. فالمعنى: وإلى أهل مدين. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: مدين: أسم أعجمي. فإن كان عربياً، فالياء زائدة، من قولهم: مدن بالمكان: إذا أقام به).
تفسير الألوسي: ({وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} عطف على ما مر. والمراد أرسلنا إلى مدين إلخ. ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة، وقيل: هو عربـي اسم لماء كانوا عليه، وقيل: اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلا بد من تقدير مضاف حينئذٍ أي أهل مدين مثلاً أو المجاز. والياء على هذا عند بعض زائدة. وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه مفعل. وقال آخرون: إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام. وعند المبرد ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل).
تفسير الثعالبي: (قيل في {مَدْيَنَ } إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه وقال مكِّيّ: كان زوجَ بنْتِ لُوطٍ).
وجاء في تفسير القرطبي للآية 84 من سورة هود:
(قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما ـ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مُضَر والمراد بنو مُضَر. الثاني ـ أنه ٱسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه ٱسم مدينة..).
فهناك عدة احتمالات لمعنى مدين, ولا يقين في أمرها كما في الأرض والقرية.
***
إذاً ليست القضية قضية مجمل ومفصل في تحديد العلم المكاني، فالآيات تروي حكاية دينية للوعظ وما التكرار إلا تكرار للوعظ نفسه!
كما أن الآية 5 من سورة القصص توضح ذلك فقد جاء فيها: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ]. وقد ذكر الطبري في تفسيرها:
(أن فرعون علا فـي الأرض وجعل أهلها من بنـي إسرائيـل فِرَقاً يستضعِف طائفة منهم وَنَـحْنُ نُرِيدُ أنْ نَـمُنَّ عَلَـى الَّذِينَ استضعفهم فرعون من بنـي إسرائيل وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً...
و"نَـجْعَلَهُمْ أئمَّةً" أي ولاة وملوكاً...
"ونَـجْعَلَهُمُ الوَارِثـينَ" يقول: ونـجعلهم ورّاث آل فرعون يرثون الأرض من بلد مهلكهم...).
ومثلها الآية 137 من سورة الأعراف: [وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا].
فقد فسر بعضهم مشارق الأرض ومغاربها بالشام أو مصر أو بالشام ومصر, وقد يضيف بعضهم تفصيلات ضمن الإطار العام..
وقد جاء في تفسير القرطبي: (قوله تعالى: "وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ" يريد بني إسرائيل. "ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُون" أي يُسْتَذَلُّون بالخدمة. "مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا", زعم الكِسائي والفرَّاء أن الأصل «في مشارق الأرض ومغاربها» ثم حُذِفَ «في» فنصب. والظاهر أنهم وَرِثوا أرض القبط. فهما نصبٌ على المفعول الصريح؛ يقال: ورِثت المال وأورثته المال؛ فلما تعدّى الفعل بالهمزة نصب مفعولين. والأرض هي أرض الشأم ومصر. ومشارقها ومغاربها جهاتُ الشرق والغرب بها؛ فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقَتادة وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض؛ لأنّ مِن بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض)!
إن تفسير الأرض بمصر الدولة المعروفة أو ببلاد الشام.. إنما هو نتيجة الخلفية التوراتية. والآية لا تخرج عن معنى الآية السابقة (القصص – 5), وليس المقصود منها وراثة الكرة الأرضية, إنما هي تعني تضخيم الصورة المتناقضة بين وضعين لأحد طرفي الصراع: مستضعف ومستعبد ومذل ومسحوق يتحول إلى وضع مغاير جذرياً بعد أن يموت الجلاد وأعوانه وأدوات قمعه, إذ يرث كل شيء امتلكه النظام السابق شرقاً وغرباً.
فهنا تسليط الضوء على المفارقة بين وضعين.
والآيات "57 – 59" من سورة الشعراء توضح الأمر أكثر؛ حيث تعطي الآيات الصورتين المتناقضتين لكل طرف من طرفي الصراع:
1- تحول فرعون وجنوده من الحياة العزيزة في الجنات والنعيم والثراء... إلى المهانة والغرق والموت.. وبالتالي فقدان كل شيء.
2- تحول بني إسرائيل من المهانة والذل والعبودية والفقر والجوع والعوز.. إلى الخلاص من الطغيان والاستعباد, ووراثة جنات الطرف الأول ونعيمه وثرائه: [فَأَخْرَجْنَاهُمْ من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ] [الشعراء - 57, 59].
وهذه الآيات القصيرة تلخص حكاية موسى والإسرائيليين من الألف إلى الياء!
هناك أجزاء من الحكاية القرآنية تتقاطع مع أجزاء من حكاية التوراة, ولكن إذا أمعنا النظر في معطيات الحكاية لمجمل الأحداث والأفكار والبيئة الزمانية والمكانية, وطريقة رسم الشخصية والهدف والغاية.. فإننا نرى تناقضاً حاداً بين الحكايتين. والمفسرون هم الذين قاربوا بين الحكايتين بما أدخلوه من الإسرائيليات!
فالحكاية القرآنية تتحدث عن قوم مستعبدين أذلاء ومقهورين يعيشون في بلدة غير محددة س, يضطهدهم فيها طاغية هو فرعون, فأنقذهم موسى من ذاك الطاغية حيث أغرقه الله وجنوده في الماء وطهر تلك البلدة منه. ومن ثم طُلب من أولئك القوم أن يعودوا ليرثوا منطقة فرعون, ليتمتعوا بجناتها والنعيم فيها بعد الحرمان والاستعباد اللذين عاشوا فيهما.
فالمرحلة الأولى الهرب وموت فرعون وجنوده, ومن ثم بدأت المرحلة الثانية وهي العودة للاستيلاء على منطقة فرعون, وهم لا يستطيعون العودة من النقطة نفسها لوجود العائق المائي, وهذا يتطلب مساراً قد يطول حتى نقطة يسهل عبورها, ومن ثم خوض معركة أو معارك في مناطق أخرى ضد شعب فرعون والذين هم أيضاً ساهموا في استعبادهم واضطهادهم, وبالتالي سيرفضون تمردهم وسيسعون لإعادتهم إلى حظيرة العبودية.
لذلك بقي الإسرائيليون خائفين من المرحلة الثانية. فليست القضية قضية الطاغية والجنود وحدهما, إنما هناك شعبه الذي ما زال موجوداً. وهناك بقية حاشيته التي ما زالت موجودة, لأنه لا يعقل أن يخرج الفرعون لملاحقة الإسرائيليين ومعه حاشيته وخدمه وأهله والنساء والأطفال وشعبه جميعاً... كما أن موت فرعون لا ينهي القضية؛ فسيأتي ويمتلك الأمر فرعون آخر وسيطالب بالثأر..
والماضي ما زال ماثلاً أمام عيون الإسرائيليين ولما يتلاش ذلهم وجبنهم بعد, ولما يصدقوا أن صفحة ذاك الماضي قد طويت وانتهى ملفها.
وهم الذين أطلقوا على جماعة فرعون لقب الجبارين ويعنون القهر والقسوة والبطش, وليس العملقة كما فهمها المفسرون والمؤرخون المسلمون.
ويمكن أن نضيف إلى أسباب خوفهم, الخشية ممن تبقى من أبناء عشيرتهم والذين انسلخوا عنهم, وباعوا أنفسهم للفرعون فقد مارسوا ضدهم القمع, وابن العشيرة إن ظلم فهو أشد مرارة من العلقم. فهل هم كلهم ضد فرعون أو كلهم مع موسى؟ لا بد من وجود عملاء منتفعين مالوا إلى فرعون طمعاً بالمال أو بالمنصب أو حتى ليرفعوا عن أنفسهم العذاب والسحق, شأنهم في ذلك شأن أي تجمع في كل مكان!
وفي ذاك القص لا نجد أي تحريض على الاعتداء على شعوب أخرى واحتلال أرضهم وقتلهم وسلب ممتلكاتهم, لكن طُلب منهم متابعة قتال من تبقى من الذين اضطهدوهم سابقاً واستعبدوهم ليحصلوا على ميراث فرعون.. ولكنهم رغم التحريض والدلال لم ينجزوا المرحلة الثانية!
فكيف جعلهم المؤرخون يرثون مصر وبلاد الشام وعددهم لا يتجاوز بضعة آلاف إن حُسبت أرقام التوراة بدقة؟! أبضعة آلاف ولا تستوعبهم أرض مصر الحقيقية؟! إن جماعة موسى قلة "شرذمة قليلون" لا يمثل عددهم جزءاً مقابل شعب فرعون..
ثم هل يُعقل أن تذكر الآية أن الله أورثهم أرض فرعون وممتلكاته من الجنات والنعيم وهي أمام أعينهم, فيتركونها ليذهبوا إلى مكان آخر؟!
أما النص التوراتي فيعطي صورة مغايرة تماماً, فهم يخرجون من البلدة التي يعيشون فيها ويهجرونها "وتصير فيما بعد دولة مصر المعروفة" ويصير الفرعون اسمه منبتاح ابن رمسيس الثاني وخليفته كما يذكر موريس بوكاي (5), والمكان الآخر يصير فيما بعد فلسطين التي أعطاهم إياها الله ومعها من النيل وإلى الفرات؛ يحتلون الأرض وليست أرضهم ويقتلون تحت شعار الوثنية المزيف سكانها الآمنين والمسالمين, ويغتصبون نساءها ويستعبدون من تبقى, وينهبون الممتلكات ويستمتعون بالخيرات التي حصلوا عليها والتي تعب أصحابها الشرعيون الدهر وهم يعملون ويشقون حتى صنعوها.
تلك الصورة المثيرة للاشمئزاز التي قدمتها رواية التوراة ألصقوها بالله مشوهين حقيقته وهو الحق والخير والعدل والكمال المطلق. والصورة المسقطة تعبر عن عقلية استعمارية إجرامية تريد نهب ثروات الآخرين وهي مستريحة لا تبذل أية قطرة عرق في صنع الخيرات, بل تعيش على حساب غيرها, فهي ليست أكثر من علقة طفيلية تمتص جهد الآخرين!
إن الصورة السيئة المعبرة عن وجهة نظر كاتبها المريض عقلياً ونفسياً, أو كتبتها المرضى في عقولهم ونفوسهم.. هي التي نقلها المفسرون إلى التراث الإسلامي!
ومع الأسف تلك الصورة التوراتية اللا أخلاقية المسقطة على التفسير والتاريخ, تلقفها المفسرون حتى عصرنا توارثاً وتداولاً!
***
إذاً يسقط السؤال أين هي تلك القرية أو الأرض حيث لا جواب له, لأن القرآن تجاهل عامداً الزمن والمكان وأراد الأحداث فقط بهدف التوجيه والإرشاد وأخذ العبرة من تلك الحكايات.. فهي حكايات تربوية ضمن السياق العام للمبادئ القرآنية..
ومؤلفو التوراة أياً كانوا عزرا أو غيره هم من سرقوا تراث المنطقة وأسقطوه على أنفسهم وأعطوه التسميات المحددة في الزمان والمكان.
***
4- [وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ] (سورة يونس – الآية 93):
لن نجد جديداً هنا عما استعرضناه وناقشناه سابقاً, لذلك سنكتفي بإشارة مقتضبة:
قال الطبري: (ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. قيل: عنى بذلك الشأم وبيت المقدس).
وذكر القرطبي: (مصر. وقيل: الأرْدُنّ وفلسطين. وقال الضحاك: هي مصر والشأم).
والروايات في التفاسير الأخرى تدور حول ذلك. لكن يلفت نظرنا يقين ابن الأثير حيث جاء في معرض تفسيره للآية:
(لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر)!!
واليقين نفسه يذكره ابن عساكر في تاريخه عن الشام وبيت المقدس:
(عن قتادة في قوله "ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق", قال بوأهم الله تبارك وتعالى الشام وبيت المقدس) (6).
مصر, بيت المقدس, فلسطين, الأردن, الشام... أين اليقين؟!
***
5- [وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] سورة الأنبياء - الآية 71:
تفسير الطبري:
(يقول تعالـى ذكره: ونـجينا إبراهيـم ولوطاً من أعدائهما نـمرودٍ وقومِهِ من أرض العراق، "إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ" وهي أرض الشأم، فـارق صلوات الله علـيه قومه ودينهم وهاجر إلـى الشأم....
وقد اختلف أهل التأويـل فـي الأرض التـي ذكر الله أنه نـجَّى إبراهيـم ولوطاً إلـيها ووصفه أنه بـارك فـيها للعالـمين. فقال بعضهم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:
... عن أبـيّ بن كعب: "ونَـجَّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", قال: الشأم، وما من ماء عذب إلا خرج من تلك الصخرة التـي ببـيت الـمقدس.
... حدثنا سفـيان عن فرات القزاز عن الـحسن فـي قوله: "إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها", قال: الشام.
... عن قتادة، قوله: "ونَـجَّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", كانا بأرض العراق فأنـجيا إلـى أرض الشام وكان يُقال للشأم عماد دار الهجرة...
... عن قَتادة: "وَنـجّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", قال: هاجرا جميعاً من كُوْثَىَ إلـى الشام.
... عن السديّ، قال: انطلق إبراهيـم ولوط قِبَل الشأم، فلقـي إبراهيـم سارَة، وهي بنت ملك حَرّان، وقد طعنت علـى قومها فـي دينهم، فتزوّجها علـى أن لا يغيرها.
... عن ابن إسحاق، قال: خرج إبراهيـم مهاجراً إلـى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوّج سارَة ابنة عمه، فخرج بها معه يـلتـمس الفرار بدينه والأمان علـى عبـادة ربه، حتـى نزل حرّان، فمكث فـيها ما شاء الله أن يـمكث. ثم خرج منها مهاجراً حتـى قدم مصر. ثم خرج من مصر إلـى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برّية الشام، ونزل لوط بـالـمؤتَفِكَة، وهي من السبع علـى مسيرة يوم ولـيـلة، أو أقرب من ذلك، فبعثه الله نبـيًّا صلى الله عليه وسلم.
... عن ابن جُرَيج، قوله: "وَنـجّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", قال: نـجاه من أرض العِراق إلـى أرض الشام...
... أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: "وَنـجّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", قال: إلـى الشأم.
وقال آخرون: بل يعنـي مكة وهي الأرض التـي قال الله تعالـى: "التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ". ذكر من قال ذلك:
... عن ابن عبـاس، قوله: "وَنـجَّيْناهُ وَلُوطاً إلـى الأرْضِ التـي بـارَكْنا فِـيها للْعالَـمِينَ", يعنـي مكة ونزول إسماعيـل البـيت ألا ترى أنه يقول: "إنَّ أوَّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبـارَكاً وَهُدًى للْعالَـمِينَ"؟
قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا ما اخترنا من القول فـي ذلك لأنه لا خلاف بـين جميع أهل العلـم أن هجرة إبراهيـم من العراق كانت إلـى الشام وبها كان مُقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البـيت وأسكنها إسماعيـل ابنه مع أمه هاجر غير أنه لـم يُقِم بها ولـم يتـخذها وطناً لنفسه، ولا لوط، والله إنـما أخبر عن إبراهيـم ولوط أنهما أنـجاهما إلـى الأرض التـي بـارك فـيها للعالمين).
لقد أورد الطبري تفسيرين معنعنين: الأول الشام, وله عدة روايات تنتهي عنعنتها أو سند المحدث إلى أبـيّ بن كعب أو الحسن أو قتادة أو السدي أو ابن إسحاق أو ابن جريج أو ابن زيد, والآخر مكة وهو منسوب لابن عباس. إلا أنه في النهاية يعتمد على التفسير الأول.
***
تفسير ابن كثير:
يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين أظهرهم مهاجراً إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها كما قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: "إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", قال: الشام, وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة. وكذا قال أبو العالية أيضاً. وقال قتادة: كان بأرض العراق فأنجيا إلى الشام وكان يقال للشام عماد دار الهجرة..
وقال كعب الأحبار في قوله: "إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", إلى حران. وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها، رواه ابن جرير، وهو غريب. والمشهور أنها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجراً من بلاده. وقال العوفي عن ابن عباس: إلى مكة، ألا تسمع إلى قوله: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَـالَمِينَ"..).
ابن كثير يورد هنا رواية منسوبة إلى كعب الأحبار يفسر فيها الأرض المباركة بحران, وهذا مطابق للتوراة. وبعضهم عدّ حران من بلاد الشام.
***
تفسير القرطبي:
(قوله تعالى: "وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", يريد نجينا إبراهيم ولوطاً إلى الأرض أرض الشام وكانا بالعراق، وكان "إبراهيم" عليه السلام عمّ لوط, قاله ابن عباس. وقيل: لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها, ولأنها معادن الأنبياء. والبركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقال ابن عباس: الأرض المباركة مكة. وقيل: بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء وهي أيضاً كثيرة الخصب والنموّ، عذبة الماء، ومنها يتفرّق في الأرض. قال أبو العالية: ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرّق في الأرض. ونحوه عن كعب الأحبار. وقيل: الأرض المباركة مصر).
القرطبي قدم لنا أربعة تفسيرات:
بلاد الشام, بيت المقدس, مكة, مصر.
***
تفسير أبي حيان الأندلسي:
(و"الأرض" التي خرجا منها هي كوثى من أرض العراق، والأرض التي صار إليها هي أرض الشام وبركتها ما فيها من الخصب والأشجار والأنهار وبعث أكثر الأنبياء منها. وقيل: مكة قاله ابن عباس، كما قال "إن أول بيت" الآية. وقيل أرض مصر وبركتها نيلها وزكاة زروعها وعمارة مواضعها).
***
تفسير البغوي:
(قوله: "وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", من نمرود وقومه من أرض العراق، "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ"، يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب: سماها "الله" مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس.
... قال محمد بن إسحاق: ... فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجراً إلى ربه، ومعه لوط وسارة... حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، أو أقرب...).
***
تفسير ابن الجوزي:
(قوله تعالى: "وَنَجَّيْنَاهُ" أي: من نمرود وكيده "وَلُوطاً" وهو ابن أخي إبراهيم، وهو لوط بن هاران بن تارح، وكان قد آمن به، فهاجرا من أرض العراق إلى الشام. وكانت سارة مع إبراهيم في قول وهب. وقال السدي: إنما هي ابنة ملك حران، لقيها إبراهيم فتزوجها على أن لا يغيرها، وكانت قد طعنت على قومها في دينهم.
فأما قوله تعالى "إِلَى ٱلأرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا"، ففيها قولان:
أحدهما: أنها أرض الشام، وهذا قول الأكثرين. وبركتها أن الله عز وجل بعث أكثر الأنبياء منها، وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار.
والثاني: أنها مكة، رواه العوفي عن ابن عباس. والأول أصح).
***
تفسير النسفي:
("وَنَجَّيْنَاهُ" أي إبراهيم "وَلُوطاً" ابن أخيه هاران من العراق "إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ" أي أرض الشام).
***
تفسير البيضاوي:
("وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه... وقيل كثرة النعم والخصب الغالب. روي أنه عليه الصلاة والسلام نزل بفلسطين ولوط عليه الصلاة والسلام بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة).
***
تفسير الثعالبي:
(واخْتُلِفَ في الأرض التي بُورِكَ فيها ونجا إليها إبراهيم ولوط "عليهما السلام"، فقالت فرقة: هي مَكَّةُ، وقال الجمهور: هي الشام، فنزل إبراهيم بالسبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالموتكفة).
***
تفسير السيوطي "الدر المنثور":
(وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك في قوله: "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", قال: الشام. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله: "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", قال: الشام).
تفسير الجلالين:
("وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً" ابن أخيه هاران من العراق, "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ" بكثرة الأنهار والأشجار وهي الشام، نزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم).
***
تفسير الألوسي:
("إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", وقيل: هي متعلقة بمحذوف وقع حالاً أي منتهياً إلى الأرض فلا تضمين، والمراد بهذه الأرض أرض الشام، وقيل: أرض مكة، وقيل: مصر والصحيح الأول).
***
تفسير الصنعاني:
(عن قتادة في قوله تعالى " وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا", قال هاجرا جميعاً من كوثا إلى الشام).
***
تفسير الثوري:
("وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", قال هي الشام).
***
تفسير أبي السعود:
("وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", أي من العراق إلى الشام ... روى أنه عليه السلام نزل بفلسطين ولوط عليه السلام بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة).
***
تفسير الواحدي:
("وَنَجَّيْنَاهُ" من نمروذ وقومه "وَلُوطاً" ابن أخيه "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ" وهي الشام. وذلك أنه خرج مهاجراً من أرض العراق إلى الشام).
***
تفسير الشوكاني:
(... فحكى الله سبحانه ها هنا أنه نجى إبراهيم ولوطاً "إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ", قال المفسرون وهى أرض الشام وكانا بالعراق وسماها سبحانه مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها ولأنها معادن الأنبياء. وأصل البركة ثبوت الخير ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقيل الأرض المباركة مكة. وقيل بيت المقدس لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء وهى أيضا كثيرة الخصب).
***
من خلال قراءة ما قدمه المفسرون, نجد أن القرطبي طرح أربعة تفسيرات كما مر: بلاد الشام وبيت المقدس ومكة ومصر, وبقية المفسرين داروا ضمنها عدا مصر. لكن ابن كثير ذكر رواية كعب الأحبار بأنها حران.
فالتخمينات تدور حول تسميات خمس, ولا قيمة للإجماع في هكذا مسألة. وكما ذكرنا سابقاً أن التفسيرات مجرد ظنون لا أكثر وقد بنيت على ضوء التوراة الكاذبة ولا يقين في القضية, وأن الخطأ يكمن في إسقاط التوراة على الآيات القرآنية.
والروايات التخمينية منها ما استند إلى التوراة, أو إلى مسار تنقل إبراهيم كما ورد في التوراة, أو إلى المقارنة مع آية أخرى محددة علم المكان وهي رواية ابن عباس التي استبعدها الجميع!
والتفسير الذي يشرح معنى الأرض بخمسة احتمالات, تمتد على رقعة شاسعة تشمل الجزيرة ومصر وبلاد الشام.. ليس تفسيراً!
فالآية تتحدث عن أرض س أنعم الله عليها بالخير والخصب.. وهي أرض أخرى غير تلك الأرض التي ترتبط ببني إسرائيل.
وابن عباس اتخذ من كلمة مباركة في الآية 96 من سورة آل عمران: [إنَّ أوَّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبـارَكاً وَهُدًى للْعالَـمِينَ], مفتاحاً لفهم الأرض المباركة واستنتج بالمقارنة بأنها مكة.
لقد وردت كلمة المباركة في عدة مواضع من القرآن وقد ارتبطت بشجرة مباركة أو بليلة مباركة أو بتحية من عند الله مباركة.. ووردت في الآية 30 من سورة القصص البقعة المباركة: [فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ.. ].
كما وردت كلمة مبارك في مواضع كثيرة في القرآن مقترنة بكتاب أو ذكر..
والفعل بارك ورد في مواضع عدة : مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها, القرى التي باركنا فيها, المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..
فالكلمة لا تعدو أكثر من وصف ذاك المكان س بالخير, وما ذكرناه عن بقاء علم المكان غير محدد في منهج القرآن, ينطبق على تلك الآية. ولو أرادت الآية التحديد لفعلت كما في تحديد مكة ويثرب.
***
وكنتيجة لأخطاء المفسرين المتأثرين بالإسرائيليات, ألحقوا آيات أخرى بتلك الرؤية التوراتية وهي لا تمت لها بأية صلة. وسنستعرض واحدة منها عند بعض المفسرين:
[وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ, وَطُورِ سِينِينَ] سورة التين - الآيات الأولى:
تفسير الطبري:
بعد أن يورد روايات تنتهي إلى عكرمة ومجاهد والتي تعني (التين الذي يؤكل، والزيتون: الزيتون الذي يُعْصر...), يورد الرأي الآخر:
(وقال آخرون: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. ذكر من قال ذلك:
... عن كعب أنه قال في قول الله: "وَالتِّينِ والزَّيْتُونِ" قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
... عن قتادة، في قوله: "والتِّينِ" قال: الجبل الذي عليه دمشق, "والزَّيْتُونِ": الذي عليه بيت المقدس.
(بسند آخر) ... عن قتادة "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" ذُكر لنا أن التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الذي عليه بيت المقدس.
... أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله: "وَالتِّينِ والزَّيْتُونِ" قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون، مسجد إيلياء.
... عن عكِرمة "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" قال: هم جبلان.
وقال آخرون: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك:
... عن ابن عباس، قوله: "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" يعني مسجد نوح الذي بني على الجُودِيّ، والزيتون: بيت المقدس قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام.
والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: التين: هو التين الذي يُؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له زيتون، إلاَّ أن يقول قائل: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالتين والزيتون. والمراد من الكلام: القسمَ بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون... )..
وفي شرح الآية [وَطُورِ سِينِينَ] نورد بعض ما جاء عند الطبري:
(... وقال آخرون: الطُّور: هو كلّ جبل يُنْبِتُ. وقوله سِينِينَ: حسن. ذكر من قال ذلك:
... عن عكرِمة، في قوله: "وَطُورِ سِينِينَ" قال: هو الحسن، وهي لغة الحبشة، يقولون للشيء الحسن: سِينا سِينا.
... عن الكلبيّ، أما "وَطُورِ سِينِينَ" فهو الجبل ذو الشجر.
... عن مجاهد "وَطُورِ": الجبل و"سِينِينَ" قال: المبارك.
... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: طور سينين: جبل معروف، لأن الطور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سينين تعريف له، ولو كان نعتاً للطور، كما قال من قال معناه حسن أو مبارك، لكان الطور منوّناً، وذلك أن الشيء لا يُضاف إلى نعته، لغير علة تدعو إلى ذلك).
***
تفسير القرطبي:
(فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: "وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ" قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخَعِيّ وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصِرون منه الزيت...
وروي عن ابن عباس أيضاً: التين: مسجِد نوح عليه السلام الذي بُني على الجوديّ، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقال الضحاك: التين: المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق: والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء. وقال كعبُ الأحبارِ وقتادة أيضاً وعكرمة وابن زيد: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وهذا اختيار الطبريّ. وقال الفراء: سمعت رجلاً من أهل الشام يقول: التين: جبال ما بين حُلْوان إلى هَمَذان، والزيتون: جبال الشام. وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا وطور تِينا "بالسريانية" سميا بذلك لأنهما ينبِتانِهما. وكذا روى أبو مكِين عن عكرمة، قال: التين والزيتون: جبلان بالشام..).
***
تفسير ابن كثير:
(اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل المراد بالتين مسجد دمشق، وقيل: هي نفسها، وقيل الجبل الذي عندها. وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف. وروى العوفي عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي. وقال مجاهد: هو تينكم هذا "وَٱلزَّيْتُونِ". قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون. "وَطُورِ سِينِينَ": قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام).
***
تفسير الثعالبي:
(قال ابن عباس وغيره: «والتينُ والزيتون» المقْسَمُ بهما هُما المعروفانِ، وقال السهيلي: أقْسَمَ تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما جبلانِ عند بيتِ المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناءَ هي الحجارةُ، والطورُ عند أكثر الناسِ هو الجبلُ، وقال الماورديُّ: ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط، انتهى. "وَطُورِ سِينِينَ" جبلٌ بالشَّامِ).
***
تفسير البغوي:
يعطي المعنى الأول لما يؤكل منسوباً إلى: (ابن عباس والحسن ومجاهد وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح ومقاتل والكلبي), ثم يعطي المعنى الآخر:
(قال عكرمة: هما جبلان. قال قتادة: التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا).
***
تفسير ابن الجوزي:
(قوله تعالى: "وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ" فيهما سبعة أقوال:
أحدها: أنه التين المعروف، والزيتون المعروف، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وإبراهيم...
والثاني: أن التين: مسجد نوح عليه السلام الذي بنى على الجودي. والزيتون: بيت المقدس، رواه عطية عن ابن عباس.
والثالث: التين المسجد الحرام، والزيتون: المسجد الأقصى، قاله الضحاك.
والرابع: التين مسجد، دمشق. والزيتون: بيت المقدس، قاله كعب، وقتادة، وابن زيد.
والخامس: أنهما جبلان، قاله عكرمة في رواية، وروي عن قتادة. قال: التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس.
والسادس: أن التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، قاله القرظي.
والسابع: أن التين: جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون: جبال بالشام، حكاه الفراء).
***
لن نسترسل مع بقية التفاسير التي تدور في دائرة ما ذكر مع التذكير بأن هناك من ذكر تفسيرين كابن عباس وعكرمة وابن زيد.
وقد تبين أن ما طرحه الطبري حول تفسيرهما بما يؤكل (والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال التين هو التين الذي يُؤكل، والزيتون هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت), عاد وتراجع ليفتح المجال للرأي الآخر!
فالزيتون فسرت بـ: الزيتون الذي يُعْصر. جبال بالشام, الجبل الذي عليه بيت المقدس, بيت المقدس, مسجد بيت المقدس, مسجد إيلياء, والمسجد الأقصى.. وهما "التين والزيتون" جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا وطور تِينا (بالسريانية) سميا بذلك لأنهما ينبِتانِهما..
فإذا كان التفسير هو: ثمرة, مسجد.. جبل في فلسطين, في بلاد الشام, من حلوان إلى همذان..!
فأين التفسير, إذا كان مفهوم التفسير هو الشرح والتوضيح والإبانة؟!
من بين تلك التفاسير هناك من فسر الطور بالجبل الذي فيه أشجار كما ورد عند الطبري, وكما في تفسير الثعالبي (وقال الماورديُّ: ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط), وفي تفسير المحيط لأبي حيان (ومعنى "سينين": ذو الشجر... وهو لفظ سرياني اختلفت بها لغات العرب. وقال الأخفش: سينين: شجر واحدة سينينة).
فإذا كان الطور هو الجبل المشجر فكيف يستقيم ذلك مع ذكر جبال سيناء وهي جرداء!؟ ألا يعرف المفسرون بأن صحراء سيناء خالية من الجبال المشجرة؟! إن ذاك يعني أن التفسيرات كانت جزافة مستمدة في الغالب من خلفية توراتية (7).
***
ولم يكتف المؤرخون بالإسقاطات الإسرائيلية التي تربط تلك الآيات بفلسطين أو بالمنطقة الممتدة من مصر إلى الشام, بل امتدت إسقاطاتهم إلى آيات تتعلق بالمسيحية فربطوها بفلسطين أو بالمنطقة:
نذكر من ذلك الآية 49 من سورة "المؤمنون": [وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ].
فقد ذكر الطبري وغيره في تفسيراتهم للآية بأنها الرملة, دمشق, بيت المقدس, مصر...
والأمر نفسه على صعيد التأريخ, فقد قال ابن الأثير الجزري:
(وقيل: إنّ مريم حَمَلَتْ المسيح إلى مصر بعد ولادته ومعها يوسف النجار وهي الربْوة التي ذكرها اللّه تعالى، وقيل الربوة دمشق، وقيل بيت المقدسوقيل غير ذلك) (8).
وابن عساكر يذكر روايات متعددة يمتد أفقها من العراق إلى الشام إلى مصر!
(عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين", قال هي دمشق) (9).
ونقل رواية نسبت إلى أبي هريرة: (حدثني أبو عبد الله بن عم أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة يقول في قول الله تبارك وتعالى: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين", قال هي الرملة من فلسطين وقيل إنها بيت المقدس).
وروى في الصفحة نفسها بأنها مصر أو الكوفة: (... حدثني عمي وهب بن منبه في قوله "وآويناهما إلى ربوة", قال هي مصر, وقيل إنها الكوفة) (10).
وذكر رواية تنسب لقتادة: (قال بيت المقدس, وقيل إنها الإسكندرية)!!
والواقدي يفسر الآية بأنها في مصر بأرض بهنسا:
(فاحتمل يوسف مريم وابنها عيسى على حمار له حتى دخل مصر وورد أرض البهنسا. وهي الربوة التي ذكرها الله في كتابه العزيز "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين") (11).
***
إن نتائج الغزو الثقافي اليهودي لتراثنا القديم, وما قدمه المفسرون القدماء من الإسرائيليات, انعكس أيضاً على المفسرين من بعدهم وحتى عصرنا. فالأقدمون هم القدوة, والقادم من بعدهم يعلن في مطلع عمله بأنه ليس بمبتدع بل مقلد وعلى سنن من سبقه.. وها هو سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن" يقول ببلاغته المعهودة في تفسير الآية 21 من سورة المائدة:
(ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا, الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكاً وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته... ) .. ويؤكد قطب بأن فلسطين هي: (الأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها, مكتوبة لهم بوعد الله فهي إذن يقين...) (12)!
لقد انغمس المفسرون في بحر ثقافة التوراة والرواة المتأثرين بالإسرائيليات, وتداولوا أقوال الرواة عن بعض دون تفكير أو تمحيص. وكل ما قدموه من تفسيرات تتعلق بفلسطين وبلاد الشام ومصر والعراق لا يستند إلى أية حقيقة.
كما أن عرضهم للروايات المتعددة المتناقضة لم يساهم في توضيح النص, بل ضيع القارئ في متاهات لم توصله في النهاية إلى الفهم الصحيح والمحدد!
وإذا كان التفسير والتأويل الكاذبان أحد معاني التحريف المتعددة كما ذكروا؛ فهل تفسير الحكاية القرآنية بما يطابق الحكاية التوراتية المحرفة أو المقاربة بينهما, هو تحريف للقرآن نفسه؟!
إن الشرح يعني التوضيح والإبانة ضمن مدلولات اللغة ومجازاتها, وليست الزيادة على معلومات النص شرحاً مثل تحديد مبهم أو إسقاط اسم علم على مكان غير محدد, أو ذكر نسب نبي, أو استكمال حبكة لحكاية مجزوءة.. فكل ذلك إضافات مسقطة على النص وهي ليست بشرح, بل تحريف لما يريده النص باتجاه ما تريده التوراة!
وعندما ننتقد المنهج التجميعي إنما ننتقد معه المفهوم الخاطئ للتفسير؛ فهل حكاية النبي إبراهيم القرآنية غير كافية مثلاً, وتفسيرها يعني جلب حكايته من التوراة ورواة المعلومات, بما في ذلك شرح علم أبيه؟ أليس هذا يعني أنهم جعلوا القرآن متناً والتوراة ومعلومات الرواة حاشية له؟
إن الآية القرآنية تقول إن آزر هو اسم لأب/ي/ إبراهيم: [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ] ( الأنعام - الآية 74), لكن المفسرين لم يقبلوا بآزر بسبب الخلفية التوراتية التي تقول إن اسمه تارح, لذلك قالوا: آزر لقب واسم أبيه تارح/ تارخ, أو آزر اسم صنم, أو مسبة تعني المعوج، المخطئ.. فكيف استقام المعنى في نظرهم من خلال التقدير والتأويل؟!
أهذا هو التفسير؟! وهل يحتاج الاسم إلى تفسير؟ لِمَ لمْ يقبلوا أن يكون اسم أبيه آزر؟ لو أرادت الآية أن يكون تارح هو اسم الأب, ليس صعباً عليها أن تقول: وإذ قال إبراهيم لأبيه تارح؟
أليس ذاك يعني أن المفسرين اتخذوا التوراة مقياساً؟!
إن القرآن اكتفى تماماً بما قاله وليس بحاجة إلى أية إضافة, ولو أراد القرآن مزيداً على ما قاله لفعل هو بنفسه ذلك. فتصوراتهم بوجود ثغرات عليهم أن يملؤوها هي اعتداء على النص, وإساءة إلى غايته المرتبطة بالمعلومات المقدمة فقط!
فلِمَ لمْ يفكر المفسرون بهذه القضية؟!
*     *     *
هوامش الفصل الرابع: الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية
(1) التفاسير التي اُعتمد عليها مرتبة بحسب تسلسل سنة وفاة مؤلفها:
- تفسير مجاهد: تفسير مجاهد - مجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج "توفي سنة 104 هـ".
- تفسير الثوري: تفسير سفيان الثوري - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله "توفي سنة 161 هـ".
- تفسير الصنعاني: تفسير القرآن - عبد الرزاق بن همام الصنعاني "توفي سنة 211 هـ".
- تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن - محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر "توفي سنة 310 هـ".
- تفسير الواحدي: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن "توفي سنة 468 هـ".
- تفسير البغوي: معالم التنزيل - الحسين بن مسعود الفراء البغوي أبو محمد "توفي سنة 516 هـ".
- تفسير ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير - عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي "توفي سنة 597 هـ".
- تفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن - محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله "توفي سنة 671 هـ".
- تفسير البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل - أبو سعيد عبد اللّه بن عمر "توفي سنة 685 هـ".
- تفسير النسفي: مدارك التنزيل وحقائق التأويل - أبو البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى "توفي سنة 710 هـ".
- تفسير أبي حيان الأندلسي: البحر المحيط في تفسير القرآن من الغريب - محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الجياني الأندلسي "توفي سنة 745 هـ".
- تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم - إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء "توفي سنة 774 هـ".
- تفسير الثعالبي: الجواهر الحسان في تفسير القرآن - عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي "توفي سنة 875 هـ".
- تفسير الدر المنثور: عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي "توفي سنة 911 هـ".
- تفسير الجلالين: محمد بن أحمد, وعبد الرحمن بن أبي بكر المحلي, والسيوطي.
- تفسير أبي السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم - محمد بن محمد العمادي أبو السعود "توفي سنة 951 هـ".
- تفسير الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير - محمد بن علي بن محمد الشوكاني "توفي سنة 1250 هـ".
- تفسير الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني - محمود الألوسي أبو الفضل "توفي سنة 1270 هـ".
(2) يقول السيوطي عنه: (رأس المفسرين على الإطلاق. أحد الأئمة, جمع من العلوم ما لم فيه أحد من أهل عصره فكان حافظاً لكتاب الله بصيراً بالمعاني فقيهاً في أحكام القرآن عالماً بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها. عالماً بأحوال الصحابة والتابعين, بصيراً بأيام الناس وأخبارهم...
وله التصانيف العظيمة منها تفسير القرآن وهو أجل التفاسير لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة منهم النووي في تهذيبه طبقات المفسرين لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده.... ) [طبقات المفسرين - ج 1 - ص 48 وما بعدها].
(3) ليس الأمر وقفاً على التفسير فقط, بل تكونت منظومة فكرية تستند إلى الإسرائيليات والخرافات, وقد امتدت إلى أنواع المعارف المتنوعة من فقه وأدب وتاريخ.. وتلك المنظومة مترابطة ومتداخلة, وهي ذات رؤية أحادية وإن اختلفت الميادين!
(4) الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن - الجزء الثاني - الصفحة 469.
(5) موريس بوكاي: دراسة الكتب المقدسة – ص 261 وما بعد. وقد توقع أن تكون المومياءُ التي عاينها, الفرعونَ منبتاح, وعد ذلك معجزة تشهد على غرق فرعون وبقاء جثته. وخطؤه ربط القصة بمصر الدولة المعروفة, ومصر لها شهرتها بتحنيط الجثث!!
(6) ابن عساكر: تاريخ دمشق – ج 1 - ص 143.
(7) يذكر د. أحمد داود في كتابه: "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" الصفحة 161, أن النص التوراتي محرف إذ استخدم في مواضع "جبل سينا" بدلاً من جبل حريب, فليست الكلمة في الأصل "طور سينا" والتي صارت تفهم جبل سيناء, والتعبير في النص السبعيني "طورو سيني", وكلمة سيني في القاموس الكلداني العربي هي اسم جمع للمذكر والمؤنث وتعني العليق, العوسج..
لذلك الآية "وطور سينين" تعبير دقيق ويعني جبل شجر العليق, وليس جبل صحراء سيناء. كما أنه توجد جبال كثيرة في سيناء.
(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ -  ج 1 - ص 240.
(9) ابن عساكر: تاريخ دمشق - ج 1 – ص 204.
(10) المصدر السابق: تاريخ دمشق - ج 1 - ص 212.
(11) الواقدي: فتوح الشام - ج 2 – ص 215.
(12) سيد قطب: في ظلال القرآن - المجلد الثاني - الصفحة 869.
ولا ننسى عفيف عبد الفتاح طبارة في كتابه "اليهود في القرآن" الصفحة 234 حيث يجعل من خروج بني إسرائيل من مصر, درساً لتعليم شعوب العالم الحرية!
فعن أي درس في الحرية يتحدث؟
إن أرقام التوراة كاذبة وكما أشار إليها ابن خلدون وابن حزم وبحسب النص القرآني وعلى لسان فرعون هم شرذمة قليلون, فهم بضعة آلاف أخرجهم موسى في جنح الظلام, ولم يقاتلوا أحداً ولم يبذلوا قطرة دم من أجل حريتهم, بل هم لم يتجرؤوا على الاحتجاج أو المعارضة. وتذكر التوراة أن الله قاتل عنهم وأغرق فرعون وجنوده. كما ذكرت تمردهم المستمر على موسى الذي أنقذهم, بل طلبوا منه إعادتهم إلى مصر حيث كانت حياتهم أفضل برأيهم!!
درس الحرية هو الذي تصنعه الشعوب بدمائها, ولنأخذ سبارتاكوس مثلاً؛ فهو وإن أخفق في قيادة العبيد عام 71 ق.م في إيطاليا إلى تحقيق النصر النهائي, ولكنه علم شعوب العالم من العبيد والمستعبدين والمهانين والمسحوقين معنى الحرية, والموت من أجلها!
*     *     *
الفصل الخامس:
مسجد بيت المقدس
إن القدس (1) رمز لفلسطين ورمز للعروبة, ورمز للنضال العادل. كما أنها رمز ديني للمسلمين والمسيحيين, فكيف نظر إليها مؤرخونا المسلمون القدماء؟
لقد كتب كثيرون عن فضائل بيت المقدس والأرض المقدسة من منطلق ديني ولم يستثنها أحد.. ومنهم من أفرد لها كتاباً خاصاً بها مثل: فضائل بيت المقدس للمقدسي, أو أجزاء من كتابه مثل: ابن عساكر في موسوعته "تاريخ دمشق" حيث خصص الجزء الأول والثاني للحديث عن فضائل الشام وبيت المقدس... (2).
ولكن مؤرخينا القدماء تبنوا الرواية التوراتية وما نتج عنها من الإسرائيليات؛ فهم ادعوا أن المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بنيا فوق هيكل سليمان/ قبة الزمان. وهذا الطرح لم يثر إشكالية عبر العصور, لأن فلسطين كلها كجزء من بلاد الشام أخذت هويتها العربية الإسلامية منذ الفتح العربي الإسلامي.
إلا أنه صار مشكلة حقيقية مع المشروع الصهيوني, وصارت القدس في خطر عندما ادّعى الصهاينة أن الهيكل المزعوم كائن تحت المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة كما ادعى مؤرخونا, وبالتالي أعدّ المتطرفون الصهاينة ولا سيما الحركات الدينية الأصولية كأمناء الهيكل برنامجاً كاملاً لتهديم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة لإقامة الهيكل المزعوم, تؤازرهم في ذلك القوى المسيحية المتصهينة في أمريكا (3)!!
وعلى الصعيد الإعلامي نرى الخطاب اليهودي يستند, من ضمن تلفيقاته وأكاذيبه, إلى التاريخ العربي الإسلامي الذي يقرّ بأن المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بنيا فوق هيكل سليمان!
إن مسجد الصخرة هو نفسه الذي فسر بالمسجد الأقصى. وفي عهد عبد الملك بن مروان تم بناء مسجدين مستقلين أخذ أحدهما تسمية مسجد قبة الصخرة وهو الأصل في التاريخ الديني عند مؤرخينا, والآخر أخذ تسمية المسجد الأقصى.
وسنستعرض آراء المؤرخين المسلمين القدماء حول تاريخ الهيكل المزيف في القدس, والذي اعتقدوه حقيقة!
***
الطبري:
يذكر الطبري في تاريخه أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد:
(وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفاً وخمسين سنة, وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر) [ الجزء 1 – الصفحة 196].
ويشرح سبب بناء المسجد:
(وأصاب بني إسرائيل في زمانه "زمن داود" طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله, ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم. فاستجيب لهم فاتخذوا ذلك الموضع مسجداً. وكان ذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه, وتوفي قبل أن يستتم بناءه فأوصى إلى سليمان باستتمامه) [ج 1 - ص 285].
ولكنه يورد رواية عن وهب بن منبه فيها تعليل مختلف:
(فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها, يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء. فقال داود هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه مسجد. فأراد داود أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس, وأنك قد صبغت يديك في الدماء فلست ببانيه, ولكن ابن لك أملكه بعدك أسميه سليمان أسلمه من الدماء..) [ج 1 - ص 286].
وتلك الرواية مقتبسة من حكاية يعقوب في التوراة وهو في طريقه إلى حران حيث يرى في المنام سلماً تصعد فيه الملائكة.. وهو ما يدعى بسلم يعقوب (4).
ويطلق الطبري على هيكل سليمان في بيت المقدس اسم المسجد الأقصى في معرض حديثه عن نبوخذ نصر:
(فبعث الله بختنصر على بني إسرائيل فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن, وانتسف بني إسرائيل نسفاً فأوردهم أرض بابل..) [ج 1 - ص 326]!
كما يذكر الطبري أنه في زمن مريم أم المسيح كان هناك مسجد عند جبل صهيون:
(وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار, وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون. وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم, وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان) [ج 1 - ص 350].
وفي مكان آخر يسميه الطبري كنيسة, يخدمان فيها:
(وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة) [ج 1 - ص 349]!
والمؤرخون القدماء يطلقون كلمة مسجد على أماكن العبادة عند اليهود والمسيحيين بشكل عام, وكانوا يصرون على تسمية هيكل سليمان بمسجد سليمان.
وينتقل الطبري إلى الحديث عن الفتح الإسلامي، فيتحدث عن مسجد في إيلياء دخله عمر بن الخطاب وسجد في محراب داود.
واليهود وحدهم من تبنى معرفة مكان الهيكل, فكعب الأحبار حدد مكان هيكل سليمان – الصخرة - وكان لتوه قد أسلم على يدي عمر بن الخطاب, عند مجيئه إلى إيلياء كما كانت تسمى:
(عن أبي مريم مولى سلامة, قال: شهدت فتح إيلياء مع عمر رحمه الله, فسار من الجابية "فاصلا" حتى يقدم إيلياء. ثم مضى حتى يدخل المسجد ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه.
وعن رجاء بن حيوة عمن شهد, قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيلياء فدنا من باب المسجد قال ارقبوا لي كعباً, فلما انفرق به الباب, قال لبيك اللهم لبيك بما هو أحب إليك ثم قصد المحراب, محراب داود عليه السلام وذلك ليلاً فصلى فيه. ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة فتقدم فصلى بالناس وقرأ بهم "ص" وسجد فيها ثم قام وقرأ بهم في الثانية صدر "بني إسرائيل" ثم ركع ثم انصرف, فقال: عليّ بكعب. فأتي به فقال: أين ترى أن نجعل المصلى؟ فقال إلى الصخرة. فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب, وقد رأيتك وخلعك نعليك. فقال: أحببت أن أباشره بقدمي. فقال: قد رأيتك, بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله قبلة مساجدنا صدورنا..) إلى أن يقول: (... ثم قام من مصلاه إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل, فلما صار إليهم أبرزوا بعضها وتركوا سائرها وقال يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع وجثا في أصلها....) [ج 2 - ص 450].
يتبنى الطبري الرواية التوراتية, ويذكر أربع نقاط:
1- المسجد الأول بناه سليمان.
2- مسجد الصخرة هو نفسه المسجد الأقصى.
3- كعب الأحبار هو الذي حدد مكان هيكل سليمان, ومكان بناء مسجد الصخرة.
4- مكان هيكل سليمان قد صار موضع نفايات.
ونلاحظ أن محراب داود من خيال الراوي إذ لم يكن له وجود هو والمسجد, فالمسجد أو هيكل سليمان كله كان مدفوناً في القمامة!
***
ابن كثير:
يتحدث ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" عن يوشع وبناء قبة الزمان "خيمة العهد" وكيف دخل بها يوشع بيت المقدس, ووضعها فوق صخرة بيت المقدس:
(وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يصلون إليها, وهي قبلتهم وكعبتهم, وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام. ومقدم القربان أخوه هارون عليه السلام. فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام, استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن. وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون عليه السلام وهو الذي دخل بهم بيت المقدس... والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها, فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة) [ج 1 –  ص 308].
كما يمدنا ابن كثير بخبر آخر, وهو أن الذي بناه أول مرة هو يعقوب بن إسحق:
(وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى, وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله. وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو إسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء. وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحق) [ج1 –  ص 162].
ويروي كيف حدد يعقوب مكان المسجد وهو في طريقه إلى بيت خاله في حران, معتمداً على التوراة:
(ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالماً ليبنين في هذا الموضع معبد الله عز وجل. وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره. ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهناً يتعرفه به وسمى ذلك الموضع بيت إيل أي بيت الله, وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك).
ثم بعد قدوم يعقوب من حران:
(مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن حمور بمائة نعجة. فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحاً فسماه إيل إله إسرائيل, وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه وهو بيت المقدس اليوم, الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام, وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك) [ج1 –  ص 196 - 197].
وهنا ليس سليمان هو الباني للمسجد الأقصى/ مسجد الصخرة, إنما هو المجدد له!
وهو يعيد ذكر الخبر ثانية عند حديثه عن سليمان:
(ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوماً, ثم عاد إليه. ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكماً وقد قدمنا أنه جدده, وأن أول من جعله مسجداً إسرائيل عليه السلام) [ج 2 –  ص 26].‍‍‍‍‍
وفي تفسير ابن كثير للآية 21 من سورة المائدة: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ], يذكر أيضاً أن بيت المقدس كان بيد يعقوب, ولما ارتحل إلى مصر أيام ابنه يوسف, اغتصبه العمالقة!!
(ثم قال تعالى مخبراً عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى عليه السلام، فوجدوا فيها قوماً من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى عليه السلام بالدخول إليها وبقتال أعدائهم..).
ويتحدث عن بناء كنيسة القيامة في المكان الذي وجدوا فيه الصليب - مكان صلب المسيح - وبناء المسجد الأقصى في عهد عمر:
(وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة, فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة, باعتبار ما كان عندها ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود, فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس, فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس. ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو الأقصى) [ج 2 –  ص 96].‍‍‍‍‍
وهنا نحب أن نشير إلى ربط المؤرخين المسلمين التراث المسيحي ببيت المقدس, فكل الأنبياء عندهم كانوا يتعبدون في بيت المقدس، وها هي مريم وقد نذرتها أمها لخدمة مسجد بيت المقدس كعادة درجوا عليها:
(وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم) [ج 2 –  ص 57].‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
وأخيراً ينقل ابن كثير عن ابن عساكر من كتابه "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" عن مجيء عمر بن الخطاب إلى إيلياء للمصالحة :
(صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث, ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ويقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود. وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة "ص" وسجد فيها والمسلمون معه وفي الثانية بسورة "بني إسرائيل". ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه, فقال ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم. ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه ونقل المسلمون معه في ذلك, وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها. وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود..).. (وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب, فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة وانسحب الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك...) [ج 7 –  ص 55 , 56].‍‍‍‍‍
عند ابن كثير ست نقاط أساسية:
1- يعقوب أول من بنى المسجد.
2- الصخرة هي التي علمها يعقوب بالدهن قبل ذهابه إلى حران كي يبني المسجد عندها, وبعد عودته من حران بناه عندها. واسم المكان بيت إيل أي بيت الله وهو بيت المقدس..
3- الصخرة قبلة اليهود.
4- يوشع نصب قبة الزمان/ خيمة العهد, على تلك الصخرة في بيت المقدس.
5- سليمان هو المجدد لبناء المسجد.
6- أم قسطنطين هيلانة حولت مكان المسجد إلى كناسة, حتى مجيء الفتح الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب.
***
ابن عساكر:
أفرد ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قسماً كبيراً تحدث فيه عن كل ما يتعلق ببيت المقدس وخاصة فضائله. ونذكر منه ما يتعلق ببنائه وهي رواية وهب بن منبه:
(فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم ثم يغمدونها, وهم يرفعون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء. فقال داود هذا مكان ينبغي أن نبني لله فيه مسجداً ونكرمه. فأسس داود قواعده وأراد أن يأخذ في بنائه فأوحى إليه أن هذا بيت مقدس وأنك قد صبغت يديك في الدماء فلست ببانيه, ولكن ابناً لك أملكه بعدك اسمه سليمان وأسلمه من الدنيا, فلما ملك سليمان بناه وشرفه) [ج 17 - ص 104].
وهنا خلط بين داود وحلم يعقوب "سلم يعقوب".
وهو يتحدث عن بناء سليمان لمسجد بيت المقدس وهو غائص في بحر من الخيال الخرافي المستند إلى الأسفار [ج 22 - ص 291 , 292].
ويذكر ابن عساكر أن كعب الأحبار (وقد أسلم يوم فتح إيلياء – القدس) هو الذي حدد مكان الصخرة:
(ثم أتاها عمر ومعه كعب فقال يا أبا إسحاق الصخرة أتعرف موضعها, قال أذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً, وهي مزبلة, ثم احفر فإنك ستجدها. فحفروا فظهرت لهم. فقال عمر لكعب: أين ترى أن نجعل المسجد, قال اجعله خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمد. فقال ضاهيت اليهودية والله يا أبا إسحاق, خير المساجد مقدمها فبناه في مقدم المسجد) [ج 2 – ص 171].
***
ابن الأثير:
يسير ابن الأثير الجزري في كتابه "الكامل في التاريخ" على النهج نفسه؛ فتحت عنوان "ذكر بناء بيت المقدس ووفاة داود عليه السلام", يقول مكرراً الطبري:
(قيل: أصاب الناس في زمان داود طاعون جارف، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس، وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء فلهذا قصده ليدعو فيه. فلما وقف موضع الصخرة, دعا الله تعالى في كشف الطاعون عنهم فاستجاب له ورفع الطاعون. فاتخذوا ذلك الموضع مسجداً، وكان الشروع في بنائه لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وتوفي قبل أن يستتم بناءه وأوصى إلى سليمان بإتمامه) [ المجلد الأول - الصفحة 173].
ويعلل سبب عدم استكمال داود لبنائه:
(وقيل: إن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارة المسجد، وكان داود أراد أن يبنيه، فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس، وأنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من الدماء فلما ملك سليمان بناه) [ م 1 - ص 174].
***
ابن خلدون:
يتحدث ابن خلدون في تاريخه عما قيل حول المسجد, وبناء يعقوب له عند صخرة القدس:
(وأوحى الله إليه بأن يكون اسمه إسرائيل، ومر على أرشاليم وهي بيت المقدس، فاشترى هنالك مزرعة ضرب فيها فسطاطه وأمر ببناء مرجح، سماه إيل في مكان الصخرة[المجلد 2 - ص 45].
ثم يتحدث عن نية داود في بناء المسجد جاعلاً دانيال في عصره, أو لعله دانيال آخر, ولا ندري مصدر معلومته تلك:
(واعتزم على بناء مسجد في مكان القبة التي كانوا يضعون بها تابوت العهد ويصلون إليها. فأوحى الله إلى دانيال، نبي على عهده، أنّ داود لا يبني وإنما يبنيه ابنه، ويدوم ملكه، فسر داود بذلك) [المجلد 2 - ص 111].
ويحدثنا عن تاريخ المسجد قبل مجيء بني إسرائيل, عندما كان معبداً وثنياً:
(وأما بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان أول أمره أيام الصابئة، موضعاً لهيكل الزهرة، وكانوا يقربون إليه الزيت فيما يقربونه، ويصبونه على الصخرة التي هناك. ثم دثر ذلك الهيكل، واتخذها بنو إسرائيل حين ملكوها قبلة لصلاتهم. وذلك أن موسى صلوات الله عليه، لما خرج ببني إسرائيل من مصر لتمليكهم بيت المقدس، كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحق..)..
إلى أن يقول: (ولما ملك داود عليه السلام نقل القبة والتابوت إلى بيت المقدس, وجعل عليها خباء خاصاً ووضعها على الصخرة. وبقيت تلك القبة قبلتهم، ووضعوها على الصخرة ببيت المقدس. وأراد داود عليه السلام بناء مسجده على الصخرة مكانها، فلم يتم له ذلك، وعهد به إلى ابنه سليمان فبناه لأربع سنين من ملكه، ولخمسمائة سنة من وفاة موسى عليه السلام) [م 1 - ص 440 , 441].
إلا أن ابن خلدون يروي خبراً آخر وهو أن إبراهيم لما قدم من مصر كان في الخليل معبداً وثنياً للصابئة سماه العبرانيون فيما بعد بإيليا:
(ولما عاد إبراهيم إلى أرض كنعان نزل جيرون "حبرون" وهو مدفنه المسمى بالخليل؛ وكانت معظمة تعظمها الصابئة وتسكب عليها الزيت للقربان، وتزعم أنها هيكل المشتري والزهرة، فسماها العبرانيون إيليا ومعناه بيت الله) [م 2 - ص 29].
ويتابع الحديث عن سليمان حيث أوصاه أبوه ببنائه:
(ولأربع سنين من ملكه شرع في بيت المقدس بعهد أبيه إليه بذلك، فلم يزل إلى آخر دولته، بعد أنّ هدم مدينة أنْطاكِية، وبنى مدينة تدمر في البرية، وبعث إلى ملك صور ليعينه في قطع الخشب من لبنان) [م 2  - ص 112].
ويذكر ابن خلدون دفن الكثير من الأنبياء حول المسجد:
(وبيتُ المقدسِ بناهُ داودُ وسليمانُ عليهما السلامُ. أمرهما اللَهُ ببناءِ مسجِدِهِ ونَصبِ هياكلِهِ. ودُفِنَ كثيرٌ من الأنبياءِ من وُلدِ إسحاق عليهِ السلام حوالَيه) [م 1 - ص 436].
ويتابع ابن خلدون في تاريخه ما آل إليه بيت المقدس, فيصل إلى هيلانة أم قسطنطين فيذكر بناءها لكنيسة القيامة وما فعلته بمسجد اليهود في بيت المقدس:
(وخربت مسجد بني إسرائيل، وأمرت بأن تلقى القاذورات والكناسات على الصخرة التي كانت عليها القبة التي هي قبلة اليهود، إلى أنّ أزال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عند فتح بيت المقدس[م 2 - ص 175].
وهو يذكر عند الحديث عن عمر بن الخطاب فيما بعد, بناء المسجد ولكن لم يشر إلى كعب الأحبار الذي حدد لعمر مكان الصخرة ومسجد اليهود:
(وكشف عن الصخرة، وأمر ببناء المسجد عليها) [م 2 - ص 544].
***
اليعقوبي:
يعدّ اليعقوبي في تاريخه مدينة بيت المقدس هي نفسها مدينة صهيون:
(ونزل داود مدينة صهيون وهي بيت المقدس) [ج 1 – ص 51].
ويحدثنا معللاً عدم بناء داود لبيت المقدس لانشغاله بالحروب:
(وابتدأ سليمان في بناء بيت المقدس, وقال: إن الله أمر أبي داود أن يبني بيتاً وإن داود شغل بالحروب فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبني البيت باسمي. فأرسل سليمان في حمل خشب الصنوبر وخشب السرو, ثم بنى بيت المقدس بالحجارة فأحكمه ولبسه الخشب من داخل وجعل الخشب منقوشاً وجعل له هيكلاً مذهباً..) [ج 1 – ص 58].
وبعد الانتهاء من بنائه يضع التابوت فيه:
(ثم صعد بتابوت السكينة فجعله في الهيكل, وكان في التابوت اللوحان اللذان وضعهما موسى) [ج 1 – ص 58].
***
المقدسي:
يذكر المقدسي في تاريخه "البدء والتاريخ" أن داود وضع الأساس لبناء بيت المقدس وسليمان بناه:
(وكان داود وضع أساس بيت المقدس فبناه سليمان وأتمه) [ج 3 - ص 105].
***
القلقشندي:
يؤكد القلقشندي في موسوعته "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" على أن الصخرة هي قبلة اليهود:
(كالصخرة التي هي قبلة اليهود) [ج 4 - ص 75].
ويستفيض في الحديث عن تاريخ المسجد بدءاً من يعقوب بن إسحق الذي عرف مكانه، إضافة لما هو متعارف عليه، وانتهاء بأم قسطنطين التي حولته إلى مجمع للقمامة حتى جاء عمر بن الخطاب، وأعاد إليه الاعتبار:
(قال في الروض المعطار: وأول من بنى بيت المقدس وأري موضعه يعقوب عليه السلام, وقيل داود والذي ذكره في تقويم البلدان أن الذي بناه سليمان بن داود عليهما السلام, وبقي حتى خربه بختنصر فبناه بعض ملوك الفرس وبقي حتى خربه طيطوس ملك الروم. ثم بقي ورمم وبقي حتى تنصر قسطنطين ملك الروم وأمه هيلانة. وبنت أمه كنيسة على القبر الذي يزعم النصارى أن المسيح عليه السلام دفن فيه, وخربت البناء الذي كان على الصخرة, وجعلتها مطرحاً لقمامات البلد عناداً لليهود. وبقي الأمر على ذلك حتى فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس فدل على الصخرة فنظف مكانها وبنى مسجداً) [ج 4 – ص 105].
***
المسعودي:
المسعودي في كتابه "مروج الذهب" يحدد أن المسجد الأقصى هو نفسه مسجد سليمان:
(وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك اللّه عز وجل حَوْلَه) [ج 1 – ص 18 ].
***
النويري:
يروي النويري في كتابه الموسوعي "نهاية الأرب في فنون الأدب" في معرض حديثه عن "خبر الذبيح وفدائه", خبراً يرد فيه ذكر البيت المقدس:
(وكان إسحاق يخرج مع أبيه إلى البيت المقدس) [الصفحة 7214].
وهذا يعني عنده أن البيت منذ أيام إبراهيم, وهو ما ذكره آخرون.
ويتحدث عن بناء موسى لمسجد / خيمة العهد/ قبة الزمان, لكنه غير بيت المقدس الذي في القدس, فيقول:
(وهذا البيت ليس هو البيت المقدس الموجود الآن، وإنما هو الذي تسميه اليهود: "قبة الزمان", ويزعمون أن ذلك نص التوراة. وكان من خبر هذه القصة ما رواه الثعلبي بإسناده عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام, أن يتخذ مسجداً لجماعتهم، وبيت قدس للتوراة، وتابوتاً للسكينة وقباباً للقربان) [الصفحة 7484].
وما بناه موسى هو خيمة العهد المتحركة كما تذكر التوراة.
ويكرر النويري رواية وهب بن منبه عن داود ورؤيته للملائكة وهم يرقون في السلم "المقتبسة من سلم يعقوب" حيث يتحدد مكان المسجد:
(ورأى داود الملائكة سالين سيوفهم فأغمدوها وهم يرقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء. فقال داود لبني إسرائيل: إن الله قد من عليكم ورحمكم فجددوا له شكراً. قالوا: وكيف تأمرنا؟ قال: أمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد الذي يرحمكم الله فيه مسجداً لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذكر الله تعالى. فأخذ داود في بنائه)... [الصفحة 7707].
ويتابع:
(فأخذوا في بناء بيت المقدس، وذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من خلافة داود. وكان داود ينقل لهم الحجارة على عاتقه، وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة. فأوحى الله تعالى إليه: أن هذا بيت مقدس، وأنت سفاك للدماء، ولست بانيه، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أسلمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يديه ويكون له صيته وذكره. قال: فصلوا فيه زماناً إلى أن توفى الله نبيه داود واستخلف سليمان وأمره بإتمام بناء بيت المقدس) [الصفحة 7709 – 7710].
ويتابع مع سليمان وبنائه لبيت المقدس وحتى خرابه على يد بختنصر "نبوخذ نصر":
(قال الثعلبي: فكان بيت المقدس على ما بناه سليمان إلى أن غزاه بختنصر، فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد. وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمل ذلك معه إلى دار مملكته من أرض العراق. قال: ثم لم يزل خراباً إلى أن بني في الإسلام) [الصفحة 7715].
ويحدثنا عمن سمّى بيت المقدس بإيلياء, فهو من خلال استعراضه لملوك الروم يصل إلى:
(ثم ملك بعده أبطونيس, فكان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة. قال: وبنى بيت المقدس وسماه إيلياء) [الصفحة 8649].
***
تلك صورة عامة عن التاريخ الديني لمسجد بيت المقدس كما رواها المؤرخون المسلمون القدماء. وهي بضعة آراء استنسخت وتداولها الجميع واحداً تلو الآخر!
إن التوراة تذكر أماكن المذابح/ محرقات القرابين, التي أقامها إبراهيم وبنوه من بعده في بيت إيل وغيرها. وبيت إيل بحسب أطالس الكتاب المقدس المزورة تقع بين نابلس والقدس وإلى الشمال الغربي من أريحا "على رأس مثلث متساوي الأضلاع تقريباً قاعدته خط ممتد من أريحا إلى القدس".
ويعقوب في التوراة بنى مذبحاً/ محرقة للرب بعد عودته من حران في شكيم/ نابلس, ثم في "بيت إيل"..
والمؤرخون نقلوا عن الرواة أو من عندهم, أن كل محرقة أقيمت إنما هي مسجد! وأن المسجد الذي بناه يعقوب في بيت إيل, إنما هو مسجد في القدس/ بيت المقدس.. وهو الأصل عند بعضهم, فما الصخرة إلا الحجر الذي علمه يعقوب بالزيت ليبني عنده بيت الله بعد عودته من حران. وابن خلدون جعل موضع الصخرة معبداً وثنياً في الأصل وتصب عليها الزيوت كطقوس وثنية!
واعتقدوا أن يوشع نصب قبة الزمان/ خيمة العهد/ الشهادة/.. فوق تلك الصخرة ولنقل صخرة يعقوب. ووضع في الخيمة, التابوتَ "ويتضمن ألواح شريعة موسى", وأطلقوا على الخيمة تسمية المسجد. كما اعتقدوا أن الهيكل الذي بناه سليمان إنما هو مسجد بيت المقدس وقد بناه في المكان نفسه والصخرة في داخله!
فمسجد بيت المقدس التاريخي في نظرهم, هو مسجد الصخرة فقط. وجاءت آية الإسراء "المسجد الأقصى" - وسنناقشها فيما بعد - ففسروها بمسجد بيت المقدس, فصار هيكل سليمان يحمل ثلاثة أسماء لمسمى واحد: مسجد بيت المقدس, مسجد الصخرة, المسجد الأقصى..
وكل هذا جاء نتيجة تبني المعلومات اليهودية المزيفة التي غزت الوسط الإسلامي!
إن البناء الأول للمسجد سواء أكان في عهد إبراهيم أم يعقوب أم موسى أم يوشع أم داود أم سليمان.. نتيجته واحدة وهي تبني المؤرخين القدماء أكذوبة التوراة والإسرائيليات حول وجود الأنبياء الآباء في فلسطين, ثم أكذوبة مجيء الإسرائيليين إلى فلسطين, وأكذوبة المملكة, وأكذوبة بناء هيكل سليمان في القدس.. ونتج عن ذلك خطأ كبير وهو أن مسجد الصخرة والأقصى إنما بنيا فوق أنقاض هيكل سليمان, وهنا تكمن الإشكالية التي ندرك ويلاتها جميعاً!
ولا ننسى أن اليهودي كعب الأحبار حدد من خياله مكان الصخرة، فهو تلفيق منه, ولم تكن هناك أية إمكانية للتحقق أو التدقيق, وإذا أراد أحد ما أن يتحقق, فما هي المعطيات غير كلمة ألقاها كعب, وما أدراك من كعب؟!
فكعب هو أحد أقطاب تسريب الإسرائيليات والخرافات إلى التراث الإسلامي كما مر معنا, ونظيره وهب بن منبه صاحب الرواية الرئيسية هنا والتي تستند إلى التوراة!
***
وفي العصر الأموي عندما استلم عبد الملك بن مروان الخلافة أراد أن يصرف أهل الشام عن الحج إلى مكة, فركز اهتمامه على بيت المقدس, فقرر بناء مسجدين: مسجد الصخرة, ومسجد الأقصى. ولا ندري إن كان تحديد كعب الأحبار للمكان وقد توفي سنة 32 للهجرة, ما زال حياً في الذاكرة إلى وقت البناء, أو تم الاستعانة بغيره من رواة الإسرائيليات!
يتحدث ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية", بإسهاب عن بناء المسجدين, فيقول:
(قال صاحب مرآة الزمان: وفيها – سنة 66 للهجرة - ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الأقصى, وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين. وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكة وكان يخطب في أيام منى وعرفة ومقام الناس بمكة, وينال من عبد الملك ويذكر مساوي بنى مروان ويقول: إن النبي "ص" لعن الحكم وما نسل وأنه طريد رسول الله "ص" ولعينه وكان يدعو إلى نفسه, وكان فصيحاً فمال معظم أهل الشام إليه.
وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا, فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى, ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم.
وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم, ففتح بذلك على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه وكان يشنع عليه بمكة, ويقول ضاهى بها فعل الأكاسرة في إيوان كسرى والخضراء كما فعل معاوية.
ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال ووكل بالعمل رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولاه وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس, وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة.
وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغاً ولا يتوقفا فيه فبثوا النفقات وأكثروا, فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء وفرشاها بالرخام الملون وعملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء وآخر من أدم للصيف. وحفا القبة بأنواع الستور وأقاما لها سدنة وخداماً بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران ويعملون منه غالية ويبخرون القبة والمسجد من الليل. وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئاً كثيراً. وجعل فيها العود القمارى المغلف بالمسك. وفرشاها والمسجد بأنواع البسط الملونة.
وكانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة, وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياماً, ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس وأنه دخل الصخرة.
وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج, وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس.
وافتتن الناس بذلك افتناناً عظيماً وأتوه من كل مكان. وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئاً كثيراً مما في الآخرة؛ فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول الله "ص" ووادي جهنم وكذلك في أبوابه ومواضع منه, فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا.
وبالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض ومنظراً وقد كان فيها من الفصوص والجواهر والفسيفساء وغير ذلك شيء كثير وأنواع باهرة.
ولما فرغ رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه فضل من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال وقيل ثلاثمائة ألف مثقال, فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك فكتب إليهما قد وهبته منكما فكتبا إليه إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا. فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب, فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث.
فلما كان في خلافة أبى جعفر المنصور قدم بيت المقدس في سنة أربعين ومائة فوجد المسجد خراباً, فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والأبواب وأن يعمروا بها ما تشعت في المسجد ففعلوا ذلك. وكان المسجد طويلاً فأمر أن يؤخذ من طوله ويزداد في عرضه.
ولما أكمل البناء كتب على القبة مما يلي الباب القبلي أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية. وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعاً وعرضه أربعمائة وستون ذراعاً. وكان فتوح القدس سنة ستة عشر والله سبحانه وتعالى أعلم) (5).
واليعقوبي في تاريخه يؤكد ذلك أيضاً:
(ومنع عبد الملك أهل الشأم من الحج وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة, فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس وقالوا تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض من الله علينا. فقال لهم هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس, وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام. وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة فبنى على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج وأقام لها سدنة, وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة وأقام بذلك أيام بني أمية) (6).
***
ولم يقف الأمر عند القدماء على ما ذكر, بل تعدى ذلك إلى تأليف خرافات كثيرة تدور حول بيت المقدس, وقد مر ما قاله ابن كثير عن مسجد الصخرة:
(وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئاً كثيراً مما في الآخرة؛ فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول الله "ص" ووادي جهنم وكذلك في أبوابه ومواضع منه, فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا).
وقال ابن عبد ربه:
(وكان طول صخرة بيت المقدس في السماء اثني عشر ميلاً، وكان أهل أريحاء يستظلون بظلها، وأهل عمواس مثل ذلك. وكان عليها ياقوتة حمراء تضيء لأهل البلقاء، وكان يغزل في ضوئها نساء أهل البلقاء) (7).
ويروي ابن الجوزي:
(وفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بفلسطين هلك فيها خمسة عشر ألفاً، وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت) (8).
و(قال فرقد: دخلت بيت المقدس خمسمائة عذراء لباسهن الصوف والمسوح، فتذاكرن ثواب الله وعقابه فمتن جميعاً في مقام واحد) (9).
كما ذكر الحلبي في السيرة النبوية - بحث الإسراء والمعراج:
(قال الإمام أبو بكر بن العربي في شرحه لموطأ مالك: صخرة بيت المقدس من عجائب الله تعالى فإنها صخرة قائمة شعثاء في وسط المسجد الأقصى، قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. في أعلاها من جهة الجنوب قدم النبي حين ركب البراق، وقد مالت من تلك الجهة لهيبته، وفي الجهة الأخرى أصابع الملائكة التي أمسكتها لما مالت، ومن تحتها المغارة التي انفصلت من كل جهة، أي فهي معلقة بين السماء والأرض. وامتنعت لهيبتها من أن أدخل تحتها، لأني كنت أخاف أن تسقط عليّ بالذنوب، ثم بعد مدة دخلتها فرأيت العجب العجاب، تمشي في جوانبها من كل جهة، فتراها منفصلة عن الأرض، لا يتصل بها من الأرض شيء) (10).
وذكر الحموي في معجمه:
(أول شيء حسر عنه بعد الطوفان صخرة بيت المقدس... ) (11).
***
ولم تكتف كتب التراث بربط مسجد بيت المقدس بتاريخ اليهود ونسج الأساطير حوله, بل ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك, حيث ربطت مشاعر الإسرائيليين به وعدته ارتباطاً وطنياً!
فالجاحظ في "رسالة الحنين إلى الوطن" يتحدث عن حب الأوطان ويذكر من جملة أمثلته:
(ومن أصدق الشواهد في حبِّ الوطن أن يوسف عليه السلام، لمّا أدركته الوفاة أوصى أن تُحمل رمّته إلى موضع مقابر أبيه وجدِّه يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام.
وروي لنا أنَّ أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلمَّا بعث الله موسى عليه السلام وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمَّته إلى تربة يعقوب بالشَّام، وقبره علمٌ بأرض بيت المقدس بقرية تسمَّى حسامي. وكذلك يعقوب، مات بمصر فحملت رمّته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك قبر إسحاق) (12).
ويقول أيضاً: (وممَّن تمسَّك من بني إسرائيل عليه السلام بحبِّ الأوطان خاصَّةً، ولد هارون، وآل داود؛ لم يمت منهم ميِّت في إقليم بابل في أيِّ البُلدان مات، إلاَّ نبشوا قبره بعد حول، وحملت رمَّته إلى موضع يدعى الحصاصة بالشَّام فيودعُ هناك حولاً، فإذا حال الحول نُقلت إلى بيت المقدس) (13)!!
***
وفي النهاية لا بد من فهم الآية القرآنية الأولى من سورة الإسراء على ضوء ما مر. تقول الآية: [سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ]:
لقد شرح المفسرون المسجد الأقصى ببيت المقدس, كما يقول الطبري وغيره:
(وقوله إلى "المسجد الأقصى", يعني مسجد بيت المقدس وقيل له الأقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار ويبتغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام).
إن ما قلناه عن منهج القرآن في عدم تحديد أعلام الأمكنة, ينطبق هنا أيضاً, علماً بأنه لم يكن هناك أي مسجد أو معبد لليهود في القدس منذ تدمير تيتوس الهيكل سنة 70 للميلاد, كما يذكر المؤرخون جميعاً.
ولو أخذنا المعنى اللغوي بعيداً عن المؤثرات التوراتية:
أسرى بعبده ليلاً: سيّر عبده ليلاً... والأقصى أي البعيد والكلمة صفة للمسجد, وليست اسم علم. وبالتالي المسجد الأقصى أي المسجد البعيد ولا تحديد لمكانه فهو س. وعبد الملك هو الذي فصل بين المسجدين وأعطى لكل منهما اسم علم خاص به, فتحولت الصفة "الأقصى" إلى اسم علم على مسجد محدد المكان في القدس, وكل ذلك تم بناء على الإسرائيليات الشائعة!
وما ادعاه كعب الأحبار بأن مكانه تحت مجمع القمامة, أكذوبة لا أكثر كما مر!
وللآية تفسير مختلف عند د. أحمد داود, فهو يرى أن معنى أسرى أي ذهب إلى السراة, في منطقة عسير.
فهو يفسر أولاً الأقصى بأنه القاصي والبعيد. واستناداً إلى التاريخ يذكر بأنه بني في عهد عبد الملك بن مروان حيث (لم يكن له أي وجود زمن الرسول أو زمن نزول القرآن). وينتقل إلى الناحية اللغوية فأسرى به (أي سيره ليلاً وقيل المعنى: ذهب به إلى سراة الأرض أي أعلاها "وأسرى الرجل صار إلى السراة"). وهو يرفض تفسير أسرى بمعنى سار ليلاً في الآية؛ لأن ليلاً في الآية تصير زائدة حشواً وهذا يتناقض مع البلاغة.
ويطرح سؤالاً دقيقاً: (فكيف نفسر إذن حقيقة أن "البيت" الذي كان في جنوب سوريا إنما كان هو القبلة الأولى في الإسلام؟)...
ويجيب: (إن من المعروف أن أول تزوير في جغرافيا الأرض المقدسة حدث في زمن قسطنطين البيزنطي في حوالي القرن الرابع بعد الميلاد لأسباب وأغراض سياسية واحتلالية بحتة. وبعيد مبعث النبي محمد بفترة وجيزة كان التزوير – جرياً على زمن قسطنطين – يعتبر أن بيت المقدس هو في إيلياء "القدس الحالية", فصمت النبي على ذلك فترة من الوقت ريثما يشتد ساعد الدعوة, وقد كان الأحناف من عرب الجزيرة يرفضون التوجه إليها كقبلة...) (14).
ويمكن إضافة سبب آخر وهو محاولة الرسول في بدايات الدعوة استمالة اليهود إلى الدين الإسلامي, عن طريق مسايرة مفاهيمهم ومنها التوجه إلى قبلتهم.
و د. الصليبي في معرض شرحه لكلمة "إسرائيل", يذكر أنها "يسرهءل" وهي "يسره" اسم قديم مشتق من فعله المشابه له, وهو بمعنى الكلمة العربية "سرو" أو "سري", والسرو هو ما ارتفع من الوادي وانحدر من الجبل, والسراة من سري وهي أعلى كل شيء. و"يسرهءل" تعني "سراة إيل" أي سراة الله, وهي مرتفعات السراة بين الطائف واليمن (15).
وعلى ضوء شرحه, يمكن القول إن معنى أسرى أي ذهب إلى مرتفعات السراة سراة الله!
***
لقد أخطأ مؤرخونا المسلمون القدماء بتبني التراث اليهودي ونقله إلى التراث الإسلامي كحقيقة يؤمنون بها. ولم يخطر في بالهم أن تأريخهم ذاك سيكون في يوم ما وبالاً على شعب فلسطين قبل غيرهم, لأن الصهيونية برعاية ودعم الإمبريالية والمسيحية المتصهينة ماضية في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على المسجدين الأقصى والصخرة لإعادة بناء هيكل سليمان, ومن ثم استكمال دولة الصهاينة لتعجيل مجيء المسيح بحسب التنبوءات الخرافية كما ذكر في الهامش الثالث!
إن البعثات الآثارية بحثت بشكل محموم ولم تجد أي أثر حتى مجرد حجر يثبت رواية التوراة كما ذكرنا. ورغم ذلك يستمر الخطر على الأرض لأن المخططات الاستعمارية التهويدية التي تسعى إليها الصهيونية بمباركة المسيحية المتصهينة والمتطرفين, لا ترى إلا مصالحها ثم تلفق التبريرات.. وإذا ما استمر هوس الأنفاق التي حفرت تحت المسجد والتي تحولت إلى مجمع سياحي ديني, فإن ذلك سيؤدي في يوم ما إلى انهيار المسجد كله!
وإذا ما استمرت الأوضاع العربية والإسلامية على ما هي عليه, ستكون الكارثة أكبر!
*     *     *
هوامش الفصل الخامس: مسجد بيت المقدس
(1) المعروف تاريخياً أن القدس "يبوس, أورشليم, بيت المقدس", بناها الفلسطينيون العرب القدمان منذ أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد, وقد كشفت عالمة الآثار كاثلين كِنيون عن سورها المتجدد الذي يعود إلى 1800 سنة قبل الميلاد.
وقد ذكر الاسم أورشليم في "نصوص اللعنة" المصرية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد, وفي رسائل "تل العمارنة" المصرية أيضاً في القرن الرابع عشر قبل الميلاد, ومنها ست رسائل من حاكم "أورشليم" واسمه عبد حِب إلى ملك مصر.
والكنعانيون هم من بنى قلعة صهيون جنوب القدس, والتي وردت زوراً في التوراة بأن داود بناها وسماها مدينة داود.
و"أورشاليم, أورشليم" كلمة سريانية/ فينيقية/ كنعانية/ آرامية.. وكان معروفاً قبل تدميرها عام 70 للميلاد وبعد تدميرها, حتى بعد أن أعاد بناءها الإمبراطور الروماني هدريان عام 135 م, وأطلق عليها اسم إيليا كابيتولينا, ثم أخذ الاسم الجديد يشيع شيئاً فشيئاً باسم إيليا أو إيلياء.
ونشير هنا إلى أن ابن حزم عندما تحدث عن فرقة السامرة, ذكر بأنهم لا يعدون أورشليم قبلتهم:
(وقبلة السامرة جبل يقال له غريزيم بين بيت المقدس ونابلس. قالوا إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس وهو الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام, وتحول داود إلى إيلياء وبنى البيت ثمة وخالف الأمر فظلم. والسامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود ولغتهم غير لغة اليهود) [الفصل في الملل والأهواء والنحل  ج 1  ص 219].
ويقول أيضاً عنهم:
(ينكرون التوراة جملة وعندهم توراة أخرى غير هذه التي عند اليهود, ولا يؤمنون بنبي بعد موسى عليه السلام, ولا يقولون بفضل بيت المقدس ولا يعرفونه, ويقولون إن المدينة المقدسة هي نابلس) [الفصل في الملل والأهواء والنحل - ج 1 - ص 147].
ولا يفوتنا أخيراً أن نشير إلى رأي د. أحمد داود الذي ذكر بأن قراءة الوثائق حتى رسائل "تل العمارنة" مزورة. فالقدس لم تعرف طوال تاريخها اسم أورشليم, وأن الاسم تحريف لحوراشليم أي مغارة المتعبدين المنعزلين الموحدين, ومكانها في غرب الجزيرة العربية جبال غامد/ أرض الخلاص. راجع كتابه "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" – ص 216. وقد شرح رأيه حول الموضوع وقضية الأرض المقدسة في بحثين ص 213 و ص 221.
وقد استمرت في الدراسات المعاصرة فكرة أن سليمان بنى الهيكل وأن المسجد الأقصى والصخرة بنيا على أنقاض الهيكل, وعلى سبيل المثال ما جاء في الموسوعة العربية عن تاريخ بناء المدينة المقدسة:
(سنة 975 ق.م بنى سليمان فيها هيكله المشهور، وأضحى اسمها المدينة المقدسة. وفي سنة 70 دمرها تيطس القائد الروماني ثم أعاد بناءها هادريانوس إمبراطور الرومان عام 135 وسمّاها آيليا كابيتولينا. وفي سنة 335 شيد فيها قسطنطين كنيسة القبرة على أنقاض الكابيتول. ثم أتم عمله يوستنيانوس في القرن السادس للميلاد. وفي سنة 614 أحرقها الفرس، ثم عادت لسيطرة الرومان حتى مجيء الإسلام ففتحها الخليفة عمر بن الخطاب سلماً عقب معركة اليرموك..).
(2) وفي عصرنا ألفت كتب كثيرة لتؤكد عروبة القدس وأهميتها الدينية, وتلك الكتب لم تهمل فلسطين بشكل عام, ولكن القدس كانت فيها أهم لمكانتها الدينية. كما كتبت مقالات لا حصر لها وأنتجت أفلام وثائقية كثيرة عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية.. والعرب المسلمون والمسيحيون يقرؤون عن القدس والمقدسات ويشاهدون الأفلام ويتحدثون عنها دائماً, إلا أنه لم توضع إستراتيجية لتحريرها من الاستعمار الصهيوني!
فهم لا يتحركون إلا انفعالاً لحادث ما ثم يخمدون فينامون عن تحرير القدس وفلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة, مما يعني أن انفصالاً كائناً بين ما نقرؤه ونسمعه ونقوله وبين ما نفعل.. فالقول شيء والفعل شيء آخر, ولا توحد بين القول والفعل, وهذا أس التخلف إن كنا نسعى جادين لدراسة واقعنا, والنهضة!؟
(3لقد تشكلت في الأرض المحتلة عشرون منظمة صهيونية ومسيحية متصهينة تدعو لإعادة بناء هيكل سليمان. والمسيحية المتصهينة في أمريكا تؤمن بضرورة مساعدة الكيان الصهيوني على إقامة دولة اليهود فقط وعاصمتها أورشليم, وإعادة بناء الهيكل بعد تهديم المقدسات الإسلامية.. لتعجيل مجيء المسيح. وهذه القضية لها جذورها التاريخية في الذاكرة الأمريكية والتكوين الأيديولوجي والنفسي والفكري قبل غزوهم الاستعماري لأمريكا وبعده:
فمنذ أواخر القرن الخامس عشر قال كولومبس لملكة إسبانيا إيزابيلا إن الذهب الذي سيجمعه من اكتشافاته سوف يضعه في تصرفها لتحرير القدس من المسلمين, ولإعادة بناء هيكل اليهود. ولما غزا الإنكليز أمريكا في القرن السابع عشر, كان البروتستانت المضطهَدون في طليعة الغزاة، طمعاً في التحرر والغنى والحياة الأفضل. والبروتستانت الإنجليكان وتفرعاتهم كالمعمدانيين والبيوريتانيين "المتطهرين" حملوا مفاهيمهم معهم وصارت المؤسِسة للفكر الأمريكي.
لقد سيطرت فكرة الأمة الطاهرة والألفية السعيدة عليهم، وعدوا أنفسهم كاليهود شعب الله المختار, وعدوا أمريكا أرض كنعان. وطائفة المورمون في أمريكا عدت نفسها مثل الإسرائيليين في تيه سيناء.
لقد شنوا حربهم البربرية على الهنود الحمر/ الكنعانيين, لتطهير أمريكا/ أرض كنعان من الوثنيين, كما أمرهم الله في التوراة! لقد قتل المستعمرون الأوروبيون عشرات الملايين من الهنود الحمر (ومن الباحثين من أوصلها إلى المئة مليون), ليستعمروا أراضيهم متسترين بالخرافات الدينية! وجسدوا العهد القديم في حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأعيادهم وحتى أسماء أبنائهم وبناتهم, ومستعمراتهم, وكانت العبرية اللغة المقدسة عندهم.
وفي القرن الثامن عشر انتشرت البروتستانتية, وتنامت معها فكرة ربط اليهود بفلسطين كما حدث في أوروبا. وفي القرن التاسع عشر دعمت المشروع الصهيوني؛ ففي عام 1878 دعا الأمريكي المسيحي البيوريتاني وليام بلاكستون في كتابه "يسوع قادم" إلى فكرة قيام دولة اليهود لعودة المسيح والحياة الألفية السعيدة. وقد أثر الكتاب كثيراً في عقل الأمريكيين البروتستانت ومشاعرهم! فالبروتستانت ولا سيما المتطهرون، آمنوا بالعهد القديم أكثر من العهد الجديد، واعتقدوا بأن اليهود شعب/ أمة, وبأنهم أفضل الشعوب والأمم في العالم, لأن الله اختارهم شعباً له. وبأن فلسطين وطن اليهود، لأن الله أعطاهم عهداً أبدياً بأن تكون لهم. كما آمنوا بأن على المسيحيين الأخيار والمخلصين العمل على إعادة اليهود المشتتين في العالم إليها, لأنه بعد عودة اليهود إلى فلسطين واستعادة دولتهم، وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى, ستقوم حرب كونية يقودها الأخيار ضد الأشرار ويقضون عليهم بعد معركة حاسمة "هَرْمَجدّون" على أرض فلسطين (الدور السادس حيث قسمت طائفة القدرية الزمن إلى سبعة أدوار أو حقب) بحسب تأويلاتهم المسقطة على ما تنبأ به سفر رؤيا يوحنا, وما ورد في بعض أسفار العهد القديم كسفر حزقيال وسفر دانيال. ومن ثم سيعود المسيح (الدور السابع) وستكون هناك ألف سنة سعيدة للمؤمنين به في ظلال حكمه (الألفية السعيدة), وبعدها تنتهي حياة الدنيا ويبدأ يوم الحساب!
ويعد سايروس سكوفيلد أهم من كتب عن الحرب الكونية على الأشرار, وتصورها حرباً نووية مدمرة على أعداء اليهود من المسلمين والكفار، ونتيجة المعركة ينتصر اليهود بعد أن يموت الملايين منهم في المعارك, وما تبقى منهم (133 ألفاً أو يزيد) سيؤمنون بالمسيح ويعترفون بألوهيته.
إن بعض الفرق المسيحية المتصهينة صارت يهودية تماماً كـ"شهود يهوه" و "السبتيون" و"المسيحيون المولودون من جديد"... فهم يؤمنون باليهودية وبالكيان الصهيوني أكثر مما يؤمن به الصهاينة اليهود أنفسهم, ويرون أن أي نقد يوجه للكيان إنما هو نقد موجه لله الأب, لأن اليهود أبناؤه!!
يعرف والتر ريغنز الأمين العام للسفارة المسيحية العالمية (تأسست عام 1980, ومركزها في القدس ولها فروع في أكثر من خمسين دولة في العالم), المسيحي الصهيوني بأنه: المسيحي الذي يدعم الهدف الصهيوني لدولة إسرائيل وجيشها وحكومتها وثقافتها...! والأصولي المتشدد القس المسيحي المتصهين مايك إيفانز, يقول: "إن إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في المصير الروحي والسياسي لأمريكا‏"!
لقد تجاوزت الفرق الدينية في الولايات المتحدة أكثر من مئتين وخمسين طائفة, ونسبة المتدينين تتجاوز الثمانين في المئة. وعدد بعض الفرق الدينية بالآلاف وبعضها بالملايين.. والمسيحيون المتصهينون عددهم عشرات الملايين, وهناك من يدعي بأنهم خمسون مليوناً أو سبعون مليوناً, فهم يشكلون ربع المجتمع الأمريكي تقريباً! والأصوليون أتباع الكنيسة المورمونية هم أكثر أصولية وتعصباً من الصهاينة اليهود الأصوليين, وهم يمتلكون المال الكثير؛ فاشتروا وسائل الإعلام: مئات المحطات المرئية والمسموعة, والكتب والمجلات والصحف, والمواقع على شبكة الإنترنت، والأندية، والجمعيات والمؤسسات... وامتلاك المال ووسائل الإعلام ملكهم السلطة فقد استطاعوا السيطرة على الحزب الجمهوري منذ سبعينات القرن الماضي والوصول إلى الإدارة السياسية والقرار السياسي للولايات المتحدة من خلال مرشحيهم كارتر وريغن وبوش الأب والابن...!
وكارتر البيوريتاني المؤمن بتيار "المسيحية المتصهينة"، عبر عن تلك العلاقة بين أمريكا وكيان العدو بقوله عام 1979 أمام الكنيست: "إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة. لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تحطيمها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي"! وما يقوله اليوم ويفعله المهووس بوش ابن تلك المدرسة البار, لا يحتاج إلى أي تعليق!!
ويعد الآن جيري فالويل زعيم جماعة العمل السياسي الأصولي (الأغلبية الأخلاقية) المسيحية المتصهينة, الأكثر تطرفاً. وقد اشتهر بأقواله ومواقفه منذ مطلع 2002, ومن أقواله: "إن اليهودي هو بؤبؤ عيني الله، ومن يؤذي اليهودي كأنه يضع إصبعه في عين الله".. "لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود".. "إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم, إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 لهي في نظر كل مسيحي يؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد"!!
وبناء على معتقداته تلك يؤمن بأن السلام سيحل بعد عودة المسيح, لذلك يدعو إلى تمكين كيان العدو من توسيع حدوده من الفرات إلى النيل كمرحلة أولى, لأن الأرض الموعودة في التوراة كما يراها: فلسطين والأردن ولبنان وسورية والعراق والسعودية والكويت وتركيا ومصر والسودان!!
وما نسمعه اليوم ونشاهده يوضح حقد هؤلاء وشراستهم ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين, ولا سيما بعد أحداث أيلول التي جعلوها مفصلاً تاريخياً تؤرخ الأحداث بها: قبل التفجيرات أو بعد التفجيرات!!
إن أولئك المسيحيين المتصهينين, يتخذون من الهلوسات الدينية وشعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان أفيوناً للتخدير ليخدعوا به المغفلين. وحقيقتهم هي الجشع والطمع بخيرات الآخرين كالبترول وغيره, والنهب والسلب والاستغلال والسيطرة والهيمنة... وإقامة الإمبراطورية الأمريكية الصهيونية المتفردة!!
(4) وردت حكاية سلم يعقوب في سفر التكوين - إصحاح 28:
(10 فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ. 11 وَصَادَفَ مَكَاناً وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ. وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَاضْطَجَعَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. 12 وَرَأَى حُلْماً وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ وَهُوَ ذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا 13 وَهُوَ ذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ. 14 وَيَكُونُ نَسْلُكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ وَتَمْتَدُّ غَرْباً وَشَرْقاً وَشِمَالاً وَجَنُوباً. وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. 15 وَهَا أَنَا مَعَكَ وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ وَأَرُدُّكَ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ». 16 فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «حَقّاً إِنَّ الرَّبَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!» 17 وَخَافَ وَقَالَ: «مَا أَرْهَبَ هَذَا الْمَكَانَ! مَا هَذَا إِلَّا بَيْتُ اللهِ وَهَذَا بَابُ السَّمَاءِ!» 18 وَبَكَّرَ يَعْقُوبُ فِي الصَّبَاحِ وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَأَقَامَهُ عَمُوداً وَصَبَّ زَيْتاً عَلَى رَأْسِهِ 19 وَدَعَا اسْمَ ذَلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ». وَلَكِنِ اسْمُ الْمَدِينَةِ أَوَّلاً كَانَ لُوزَ. 20 وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْراً قَائِلاً: «إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي وَحَفِظَنِي فِي هَذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ وَأَعْطَانِي خُبْزاً لِآكُلَ وَثِيَاباً لأَلْبِسَ 21 وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلَهاً 22 وَهَذَا الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ عَمُوداً يَكُونُ بَيْتَ اللهِ وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ»).
(5) ابن كثير: البداية والنهاية - ج 8 - ص 280 , 281.
(6) تاريخ اليعقوبي: ج 2 - ص 261.
(7) ابن عبد ربه: العقد الفريد - ص 5082.
(8) ابن الجوزي: المدهش - ص 142.
(9) المصدر السابق: ص 805.
(10) الحلبي: السيرة الحلبية -  ج – ص 7.
(11) ياقوت الحموي: معجم البلدان  - ج 5 - ص 166.
(12) الجاحظ: الرسائل - ص 907.
(13) المصدر السابق: ص 909.
(14) د. أحمد داود: العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود - ص 251. وراجع أيضاً كتابه تاريخ سوريا القديم – تصحيح وتحرير.
(15) د. كمال الصليبي: التوراة جاءت من جزيرة العرب – ص 195.
*     *     *
الفصل السادس:
ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء
إن التوراة برؤيتها المريضة لكنعان/ شعب فلسطين, شوهته ووصفته بأقبح الصفات.. ولكن ولضعف القدرات عند مؤلفي الأسفار لم يتمكنوا كلياً من تشويه كنعان, فهناك نصوص عديدة تشهد بأن كنعان شعب موحِّد, ومسالم وطيب القلب, وصانع للحضارة..
ومؤرخونا لم يقرؤوا ذاك الوجه الآخر لكنعان في الأسفار بروح موضوعية. فالمحطات التي تستحق التوقف عندها ولو قليلاً, قفزوا سريعاً مبتعدين عنها.. بل هم زايدوا على التوراة في تشويه كنعان أكثر كما عند اليعقوبي وابن كثير.
وسنستعرض هنا بعض تلك المحطات: عقاب كنعان البريء, دعوة كنعان للإيمان, كنعان الموحد, طيبة كنعان ونبله, نضال شعب كنعان.
***
1- عقاب كنعان البريء:
لقد تداولوا قضية حام مع أبيه ولكن الغريب في الأمر أنه لم تلفت انتباههم العقوبة التي أسقطت على كنعان, بينما الذي ارتكب الخطأ بحسب النص هو حام!
لِمَ لم يسأل أحد منهم: ما ذنب كنعان إذا أخطأ أبوه حام بحسب أسطورة التوراة, وكلهم يؤمن بالآية القرآنية: [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ] (سورة الإسراء/ الآية 15, والزمر الآية 7), كما جاءت بتوضيح أكثر في سورة الأنعام/ الآية 164: [وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ], في سورة فاطر/ الآية 18: [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ]؟!
فلِمَ لمْ يجعلوا القرآن الذي يؤمنون به هو المقياس في الحكم على نص التوراة؟!
حام لم يعاقب ولم يمسه شيء مع أنه هو الذي واقع امرأته في السفينة كما جاء عند بعضهم, أو رأى عورة أبيه نوح كما روى من اعتمد على التوراة.
فلِمَ لم يعاقب الأب صاحب الجريمة؟!
وهل العقوبة قصاص عادل على تلك الخطيئة/ الجريمة؟ ما تلك الجريمة الشنعاء التي قصاصها اللعنة الأبدية والعبودية, ألا يكفي التأنيب والتوبيخ مع التوجيه التربوي؟!
ونوح وقد لفه الغضب هل نسي أنه نبي وأب, أليس حام ابنه من لحمه ودمه وسلالة حام من دمه؟! أين الأبوة والحب والتسامح؟!
العقوبة أن يكون كنعان/ شعب فلسطين: 1- ملعوناً ومطروداً من رحمة الله, 2- عبداً, 3- أسود!
صحيح أن بعضهم انتبه إلى تفاهة عقوبة اللون, وأعني ابن خلدون, ولكن الآخرين اقتنعوا بها وعدوا السواد عقوبة ولم ينتبهوا إلى العنصرية! بل ربطوا بين البياض/ الشقرة ونسل سام المبارك ويافث!
وابن حزم نقد فكرة اللعنة من منطلق آخر وهو أن الدعاء على نسل حام لم يتحقق فقد كونوا دولاً وسادوا في مناطق واستعبدوا في مناطق أخرى, والأمر نفسه ينطبق على سلالة سام فهما متساويان, وبالتالي القضية أكذوبة نسبت إلى نوح:
(وبعد ذلك أن نوحاً إذ بلغه فعل ابنه حام أبي كنعان قال ملعون أبو كنعان عبد العبيد يكون لإخوته, مستعبداً يكون لأخويه, يبارك الإله ساماً ويكون أبو كنعان عبداً لهم. إحسان الله ليافث ويسكن في أخبية سام, ويكون أبو كنعان عبداً لهم.
ثم نسي نفسه المحرف أو تعاظم استخفافاً بهم فلم يطل, لكنه بعد ستة أسطر قال إذ ذكر أولاد حام: فقال بنو حام كوش ومصرايم وفوح وكنعان وبنو كوش وصبان وزويلة ورغاوة ورعمة وسفتخا وبنو رعمة السند والهند, وكوش ولد نمرود إلى ابتدأ يكون جباراً في الأرض الذي كان جبار صيد بين يدي الله عز وجل, وكان أول مملكته بابل.
فحصل من هذا الخبر تكذيب نوح في خبره وهو بإقرارهم نبي معظم جداً وإذ وصف أن ولد أبي كنعان صاروا ملوكاً على إخوة بني كنعان وعلى بنيهم. ثم العجب كله على أن ما توجبه توراتهم كان ملك نمرود بن كوش بن كنعان بن حام على جميع الأرض, ونوح حي وسام بن نوح حي, لأن في نص توراتهم أن نوحاً عاش إلى أن بلغ إبراهيم بن تارح عليه السلام ثمانية وخمسين عاماً. وأن سام بن نوح عاش إلى أن بلغ يعقوب وعيصاً ابنا إسحق بن إبراهيم عليهما السلام خمساً وأربعين سنة على ما ذكره من مواليدهم أباً فأباً.
فما لنا نرى خبر نوح معكوساً, فإن قالوا إن السودان تملكوا اليوم قلنا وفي السودان ملك عظيم جداً وممالك شتى كغانة والحبشة والنوبة والهند والتبت والأمر بينهم سواء, يملكون طوائف من بني سام كما يملك بنو سام طوائف منهم, وحاش لله أن يكذب نبي) (1).
فابن حزم عدّ اللعنة كذباً لأنها لم تتحقق, ولأن نوحاً نبي معصوم وما يقوله يجب أن يتحقق. ولم ينقدها كفكرة في حد ذاتها!
لذلك نستغرب ألا يحس المؤرخون بشيء ما غير طبيعي ومبالغ فيه إلى حد يتجاوز المعقول, فلماذا جعلوه أحط وأحقر من إبليس!
ولِم زايد بعضهم على التوراة في طعن كنعان والنيل منه أكثر, واستنساخه عدة مرات ككافر وشرير وفاسق وماجن.. !
لم يكن الأمر عند عزرا وغيره من الكتبة إلا تعبيراً عن حقدهم وكراهيتهم لشعب كنعان لأنه صدهم عن محاولة احتلال أرضه!
وطبعاً نحن نقول ذاك بناء على قراءة معطيات التوراة, والإسرائيليات التي غزت فكر المؤرخين والمفسرين, أما على أرض الحقيقة فكل ذلك دجل وكذب!
وعلى كل عوقب إبليس باللعنة لأنه هو نفسه صاحب المعصية وأية معصية هي, ولكنه بقي رغم ذلك حراً طليقاً ولم يعاقب بالسواد ولا بالعبودية أبداً. بينما كانت عقوبة كنعان المسكين أقسى وأشد؛ اللعنة والعبودية إلى الأبد وهو نفسه بريء لم يقترف أي خطأ!
***
2- دعوة كنعان للإيمان:
لقد افترض المؤرخون بناء على معطيات التوراة أن كنعان وثني, والسؤال الذي كان ينبغي أن يسأله المؤرخون القدماء كلهم: هل حاول أحد من الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف) ثم موسى ويوشع ومن جاء بعده.. أن يهدي الكنعانيين إلى الإيمان، بما أنهم وثنيون بزعمهم؟!
لا يوجد ما يشير إلى ذلك أبداً, لكن بعض المؤرخين القدامى, ادعوا ذلك من عندهم دونما اعتماد على أي مصدر أو سند يتكئون عليه!
إذاً كيف يحل قتل قوم مسالمين لم يعتدوا على أحد, واحتلال أرضهم واغتصاب نسائهم واستعبادهم والتمتع بأرضهم وممتلكاتهم وخيراتهم.. قبل دعوتهم للإيمان كما يُفترض في الدين؟! بينما هناك الهداية المستمرة لبني إسرائيل عندما يضلون ويخرجون على تعاليم أنبيائهم.. وما أكثر فسوقهم ورغم ذلك كان الإله يتحملهم ويصطفيهم! فلم الدلال كله للإسرائيليين, بينما رأس كنعان تحت السيف دائماً؟!
لم حاول الأنبياء بإلحاح هداية شعوبهم وزعمائهم ومناقشتهم كما جاء في حكاية إبراهيم والنمرود ثم موسى وفرعون.. فلم شعب كنعان مستثنى من الهداية؟!
فهل كان شعب كنعان مؤمناً ولا يحتاج لهداية؟ إذا صح ذلك وهو صحيح حقاً, فكيف تعطى أرضه للآخرين, أليست التوراة هي الكاذبة؟!
***
3- كنعان الموحد:
على الرغم مما ادعته التوراة ومؤرخونا القدماء نقول: كنعان كان موحداً أكثر من أبي التوحيد إبراهيم النبي كما ورد في نص التوراة.
لقد جاء في التوراة أن ملكي صادق ملك أورشليم استضاف إبراهيم بعد عودته من ملاحقة الملوك وانتصاره عليهم.. وقال له(مبارك أبرام من اللّه العلي، مالك السماوات والأرض. ومبارك اللّه العلي الذي أسلم أعداءك إلى يديك. وأعطاه العشر من كل شيء) [ تكوين 14/ 19 - 20].
لنتأمل هذه الكلمات التي قالها ملك الفلسطينيين/ الكنعانيين (اللّه العلي، مالك السماوات والأرض. مبارك اللّه العلي), أليست قمة التوحيد؟
ولم يكن الملك وحده المؤمن بل شعبه أيضاً؛ أليس الناس قديماً على دين ملوكهم, أم أن ملكي صادق وحده المؤمن دون شعبه؟
ولا ننسى أن ملكي صادق جمع بين الحكم الديني والزمني فقد كان ملكاً وأيضاً (كاهناً للّه العلي) [تكوين 14/ 18].
لقد عرفت فلسطين والمنطقة التوحيد قبل مجيء إبراهيم, ومن هنا لفت توحيد ملكي صادق نظر اللاهوتيين المسيحيين فأعطوه مكانة عالية, بل جعلوا توحيده أجلّ من توحيد إبراهيم, بينما لم يلفت نظر مؤرخينا المسلمين لا من قريب ولا من بعيد, وكأنما لم يقرؤوا عنه أو يسمعوا به!
وهناك موحِد آخر وهو أبيمالك ملك جرار والذي أرادت التوراة أن تحقره بفعل الرذيلة, لكنها ودون قصد منها أعطت صورة تفوق بإنسانيتها وتوحيدها ما صورت به إبراهيم ومن بعده ابنه إسحق؛ حيث تتكرر الحكاية نفسها معه رغم أن اللاهوتيين يدعون بأنه ملك آخر, وعلى كل ليست هذه بمشكلة لنقف عندها!
وحكاية أبيمالك هي تكرار لما جرى لإبراهيم مع فرعون مصر, وقد جاء في سفر التكوين - الإصحاح 20:
(1 .... وَتَغَرَّبَ فِي جَرَارَ. 2 وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ سَارَةَ امْرَأَتِهِ: «هِيَ أُخْتِي». فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ. 3 فَجَاءَ اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمِ اللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْلٍ». 4 وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ أَأُمَّةً بَارَّةً تَقْتُلُ؟ 5 أَلَمْ يَقُلْ هُوَ لِي إِنَّهَا أُخْتِي وَهِيَ أَيْضاً نَفْسُهَا قَالَتْ هُوَ أَخِي؟ بِسَلاَمَةِ قَلْبِي وَنَقَاوَةِ يَدَيَّ فَعَلْتُ هَذَا». 6 فَقَالَ لَهُ اللهُ فِي الْحُلْمِ: «أَنَا أَيْضاً عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هَذَا. وَأَنَا أَيْضاً أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ لِذَلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا. 7 فَالْآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتاً تَمُوتُ أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ». فَبَكَّرَ أَبِيمَالِكُ فِي الْغَدِ وَدَعَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ هَذَا الْكَلاَمِ فِي مَسَامِعِهِمْ. فَخَافَ الرِّجَالُ جِدّاً. 9 ثُمَّ دَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالاً لاَ تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي!». 10 وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَاذَا رَأَيْتَ حَتَّى عَمِلْتَ هَذَا الشَّيْءَ؟» 11 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. 12 وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضاً هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً. 13 وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هَذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي هُوَ أَخِي». 14 فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَماً وَبَقَراً وَعَبِيداً وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. 15 وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «هُوَ ذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ». 16 وَقَالَ لِسَارَةَ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ أَخَاكِ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ. هَا هُوَ لَكِ غِطَاءُ عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَا عِنْدَكِ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ فَأُنْصِفْتِ». 17 فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى اللهِ فَشَفَى اللهُ أَبِيمَالِكَ وَامْرَأَتَهُ وَجَوَارِيَهُ فَوَلَدْنَ – 18 لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ).
تلك الآيات تحمل في طياتها صورة نبيلة عن أبيمالك لم يقصدها واضعو التوراة ولم يلتفت إليها مؤرخونا:
1- اتصال الله مباشرة بأبيمالك ودون وساطة عبر الحلم.
2- معرفة الله بسلامة قلب أبيمالك ونيته.
3- منع الله أبيمالك من الوقوع في الخطيئة.
4- استجابة أبيمالك لطلب الله وإطاعته.
5- معاتبة أبيمالك إبراهيمَ على ما قام به وبأنه عمل لا يفعله أحد.
6- تقوى الله تجعل أبيمالك يخشى الله ويخاف من عقابه إن أذنب هو أو شعبه.
7- وهب أبيمالك إبراهيمَ غنماً وبقراً وعبيداً وإماء وألفاً من الفضة, وعرض عليه أن يختار ما شاء من أرضه ليسكن فيها.
8- قدم اعتذاراً لزوجة إبراهيم سارة.
ثماني نقاط من الإيمان بالله, والأخلاق العالية كالصدق والأمانة والصراحة والشهامة والتواضع والكرم..
بينما إبراهيم هو الذي ارتكب الخطأ وكذب, ولم ينبهه الله إلى أي شيء, بل لم يحذره من المجيء إلى جرار كما لم يحذره في الحكاية السابقة المشابهة من دخول مصر والتعرض للمهانة على يد فرعون, بينما أسرع إلى أبيمالك في المنام ليعصمه من الخطأ!
فأيهما مكانته أقرب إلى الله بحسب قراءة النص؟
لم أغفل مؤرخونا هذه الحكاية وساروا ضمن ما يريده كتبة التوراة؟!
وتستمر الأحداث فنقرأ أن الملك أبيمالك يأخذ عهداً من إبراهيم ألا يغدر به وبذريته, فمن هو الشرير ومن هو الصادق والمستقيم؟!
(22 وَحَدَثَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ أَبِيمَالِكَ وَفِيكُولَ رَئِيسَ جَيْشِهِ قَالاَ لإِبْرَاهِيمَ: «اللهُ مَعَكَ فِي كُلِّ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. 23 فَالْآنَ احْلِفْ لِي بِاللهِ هَهُنَا أَنَّكَ لاَ تَغْدُرُ بِي وَلاَ بِنَسْلِي وَذُرِّيَّتِي. كَالْمَعْرُوفِ الَّذِي صَنَعْتُ إِلَيْكَ تَصْنَعُ إِلَيَّ وَإِلَى الأَرْضِ الَّتِي تَغَرَّبْتَ فِيهَا». 24 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «أَنَا أَحْلِفُ»).
ويحلف إبراهيم للملك ألا يغدر به وبأسرته. ولو كان ابيمالك ملكاً فاجراً طاغية مستبداً, هل يخاطب إبراهيم بتلك اللغة, أم يقتله شر قتلة؟!
والحكاية كما قلنا تتكرر مع إسحق في الإصحاح السادس والعشرين!
(6 فَأَقَامَ إِسْحَاقُ فِي جَرَارَ. وَسَأَلَهُ أَهْلُ الْمَكَانِ عَنِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: «هِيَ أُخْتِي». لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَقُولَ «امْرَأَتِي» لَعَلَّ أَهْلَ الْمَكَانِ «يَقْتُلُونَنِي مِنْ أَجْلِ رِفْقَةَ» لأَنَّهَا كَانَتْ حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ. 8 وَحَدَثَ إِذْ طَالَتْ لَهُ الأَيَّامُ هُنَاكَ أَنَّ أَبِيمَالِكَ مَلِكَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَشْرَفَ مِنَ الْكُوَّةِ وَنَظَرَ وَإِذَا إِسْحَاقُ يُلاَعِبُ رِفْقَةَ امْرَأَتَهُ. 9 فَدَعَا أَبِيمَالِكُ إِسْحَاقَ وَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ امْرَأَتُكَ! فَكَيْفَ قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي؟» فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: «لأَنِّي قُلْتُ: لَعَلِّي أَمُوتُ بِسَبَبِهَا». 10 فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِنَا؟ لَوْلاَ قَلِيلٌ لاَضْطَجَعَ أَحَدُ الشَّعْبِ مَعَ امْرَأَتِكَ فَجَلَبْتَ عَلَيْنَا ذَنْباً». 11 فَأَوْصَى أَبِيمَالِكُ جَمِيعَ الشَّعْبِ: «الَّذِي يَمَسُّ هَذَا الرَّجُلَ أَوِ امْرَأَتَهُ مَوْتاً يَمُوتُ».....
(26 وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ جَرَارَ أَبِيمَالِكُ وَأَحُزَّاتُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ. 27 فَقَالَ لَهُمْ إِسْحَاقُ: «مَا بَالُكُمْ أَتَيْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ قَدْ أَبْغَضْتُمُونِي وَصَرَفْتُمُونِي مِنْ عِنْدِكُمْ؟» 28 فَقَالُوا: «إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَكَ فَقُلْنَا: لِيَكُنْ بَيْنَنَا حَلْفٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَنَقْطَعُ مَعَكَ عَهْداً: 29 أَنْ لاَ تَصْنَعَ بِنَا شَرّاً كَمَا لَمْ نَمَسَّكَ وَكَمَا لَمْ نَصْنَعْ بِكَ إِلَّا خَيْراً وَصَرَفْنَاكَ بِسَلاَمٍ)...
فلِم تجاهل مؤرخونا ذلك كله!؟
وهناك موحد آخر وهو بلعام بن بعور وقد ورد ذكره في الحديث عن تاريخ الطبري الهامش الثامن: (بلعم بن باعور المعروف وكان رجلاً قد آتاه الله علماً وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم فيما يذكرون, الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى...).
لقد عده بعضهم كنعانياً, إضافة إلى التخمينات العديدة وكلها غير يقينية, والمهم في الأمر هو أن التوحيد كان موجوداً في كنعان ومنتشراً!
وقد وردت حكايته في سفر العدد – الإصحاح 22:
فقد استدعاه بالاق ملك مؤاب ليساعده على الانتصار على موسى وبني إسرائيل وقال له: (6 لأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الذِي تُبَارِكُهُ مُبَارَكٌ وَالذِي تَلعَنُهُ مَلعُونٌ)..
كان بلعام موحداً وعلى علاقة بالله ودعوته مستجابة, ولكن فجأة تمسخه التوراة وتحوله إلى كافر عاق وملعون..! ومؤرخونا يسيرون في ركاب التوراة فيقومون بتحطيمه بصورة أشنع!
والغريب أن موحداً يصل إلى مستوى معرفة الاسم الأعظم لله, وهذا له من الدلالات ما ملأ كتب التصوف والعارفين بالله في التراث الإسلامي... فهل يمكن بعد ذاك الارتقاء في السلم الإلهي أن يسقط سقوطاً ذريعاً؟!
إن من يقرأ حكايته في التوراة يكتشف ضعفها وتناقضاتها؛ فالتوراة تقول إن الرب جاء إلى بلعام ليطلب منه ألا يلعن بني إسرائيل لأن لعنته مستجابة, أليس الطالب عدم الدعاء هو نفسه الذي سيستجيب, أم هناك إلهان؟!
وهنا سنذكر مقتبساً لتعليق على قضية اللعنة والذي ورد في كتابنا: "الشخصيات الأسطورية في العهد القديم وثالوث عزرا":
(فمن الذي سيحقق دعوته ولعنته، أليس من المفترض أنه الرب الذي جاءه. فهل يقول له: لا تلعن لأنني مجبر على استجابة لعنتك؟!
أم هناك ربّان: رب لموسى ورب لبلعام، فجاء رب موسى إلى بلعام راجياً ألا يلعن قومه. وهذا يعني أن موسى نفسه كان يخشى لعنة بلعام عليه وكان يؤمن بأن رب بلعام أقوى من ربه، وإلا أين دور ربه في درء اللعنة!؟
والسؤال: لِمَ انقلب بلعام؟!
التوراة تقول: بسبب ضغط بالاق والشيوخ. والموسوعة الكتابية تسميه النبي الكذّاب. والمؤرخون العرب يقولون: لقد ضل..
ولكن من خلال السياق نتبين أن الهدف هو تشويه توحيد بلعام وتشويه سمعة الموآبيين، ولتعليل إخفاق موسى بسبب المعصية التي أوقعهم فيها بلعام) (2).
لماذا لم يقرأ مؤرخونا كنعان في التوراة بعمق, ولو من باب الفضول لمعرفة حقيقة المارق كنعان النقيض لأبناء الله الملائكة والمعادل لإبليس في نظرهم, طالما هم آمنوا بشكل ما بتحريف التوراة, وشنعوا كثيراً سلوك اليهود؟!
لماذا ربط بعضهم الآية 175 من سورة الأعراف [وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ] ببلعام التوراتي؟ أكان صعباً على الآية تحديد العلم صاحب العلاقة, أم عدم التعيين هو منهج في القرآن لأنه ينطبق على كل من يتصف بتلك الصفة التي ذكرتها الآية؟!
وبما أن شعب كنعان مؤمن وموحد وأخلاقي أو على الأقل بعضه, فهل يعقل أن يمنح الله إبراهيمَ وذريته من بعده أرضَ كنعان بل ومن الفرات إلى النيل, بناء على الحجة الواهية التي يكررونها؟!
كيف صدقوا تلك الأكاذيب وشوهوا معها الله, وهو الحق والخير والعدل؟!
***
4- طيبة كنعان ونبله:
لقد كان شعب كنعان مسالماً ومحباً للخير, ومر معنا ترحيبه بإبراهيم ومن بعده إسحق ويعقوب.. وكيف تجاوز أبيمالك أخطاء إبراهيم وإسحق وشهامته معهما, كما تذكر التوراة نفسها.
وهنا نموذج لطيبة كنعان ونبله, وقد ورد ذلك في حكاية مغارة المكفيلة في التوراة:
(2 وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ "الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ" فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا. 3 وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَقَالَ لِبَنِي حِثَّ: 4 «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيِّتِي مِنْ أَمَامِي». 5 فَأَجَابَ بَنُو حِثَّ إِبْرَاهِيمَ: 6 «اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدِي أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ اللهِ بَيْنَنَا. فِي أَفْضَلِ قُبُورِنَا ادْفِنْ مَيِّتَكَ. لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنَّا قَبْرَهُ عَنْكَ حَتَّى لاَ تَدْفِنَ مَيِّتَكَ». 7 فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ لِبَنِي حِثَّ 8 وَقَالَ: «إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيِّتِي مِنْ أَمَامِي فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ 9 أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِلٍ يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ». 10 وَكَانَ عِفْرُونُ جَالِساً بَيْنَ بَنِي حِثَّ. فَأَجَابَ عِفْرُونُ الْحِثِّيُّ إِبْرَاهِيمَ فِي مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ لَدَى جَمِيعِ الدَّاخِلِينَ بَابَ مَدِينَتِهِ: 11 «لاَ يَا سَيِّدِي اسْمَعْنِي. الْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ادْفِنْ مَيِّتَكَ». 12 فَسَجَدَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ شَعْبِ الأَرْضِ 13 وَقَالَ لِعِفْرُونَ فِي مَسَامِعِ شَعْبِ الأَرْضِ: «بَلْ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ إِيَّاهُ فَلَيْتَكَ تَسْمَعُنِي. أُعْطِيكَ ثَمَنَ الْحَقْلِ. خُذْ مِنِّي فَأَدْفِنَ مَيِّتِي هُنَاكَ». 14 فَأَجَابَ عِفْرُونُ إِبْرَاهِيمَ: 15 «يَا سَيِّدِي اسْمَعْنِي. أَرْضٌ بِأَرْبَعِ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ مَا هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَادْفِنْ مَيِّتَكَ»...).
لقد قرأ مؤرخونا تلك الحكاية ومنهم من ذكرها, ولكن لم يقف عندها!
تتجلى إنسانية إحدى قبائل كنعان بكل أبعادها؛ فإبراهيم يقف مكسور الخاطر ويبكي متألماً من جراحه: "أنا غريب ونزيل عندكم, أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي", فكان جوابهم ينبع بالطيبة وكرم الأخلاق والتعاطف مع آلام الآخرين, والسمو في التعامل مع الغريب: "اسمعنا يا سيدي, أنت رئيس من الله بيننا, في أفضل قبورنا ادفن ميتك"..
لقد قالوا له: اختر ما شئت وليكن أفضل مكان عندنا فهو لك!
ولما حدد المكان تقدم صاحبه عفرون بشهامة النبلاء والكرماء ووهبه المكان "المغارة" بل والحقل كله معها!!

كيف فوت مؤرخونا هكذا حكاية ولم يعلقوا عليها منساقين وراء مؤلفي التوراة بأن الله داس ذاك الشعب الطيب وأعطى أرضه وغيرها لإبراهيم ومن بعده..

أين الشهامة والأخلاق الحميدة والفضيلة ولا سيما حفظ المعروف ورد الجميل؟!
ولا ننسى كيف احتضن الفلسطينيون داود المشرد والملاحق والمهدد بالقتل. كما لا ننسى أن الإسرائيليين بحسب نصوص الأسفار, عاشوا على أرض كنعان, فغفر كنعان لهم جرائمهم وصفح وتسامح, وأكثر من هذا فقد أقام معهم علاقات طبيعية اختلاطاً وتزاوجاً, ولكن كهنة الإسرائيليين هم الذين كانوا يصبون على أتباعهم نار الغضب احتجاجاً واستنكاراً ورفضاً لذاك!
إن عزرا والكتبة لم يبالوا بتوحيد كنعان ولا بنبله وأخلاقه وتسامحه, فما كانوا يريدونه هو الاستيلاء على أرض كنعان بأي شكل ما, وانساق وراءهم مؤرخونا طامسين ومشوهين حقيقة كنعان ومتجاهلين صورته المشرقة التي تسربت من بين أصابع الرقيب!!
***
(5) نضال شعب كنعان:
لقد تم توضيح خطأ المفسرين للآيات التي تتحدث عن الأرض المقدسة والقرية.. وهي تختلف عن الأسفار التي جوهرها استعمار فلسطين.
جاء في التوراة:
(7 لأَنَّ \لرَّبَّ إِلهَكَ آتٍ بِكَ إِلى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ أَرْضِ أَنْهَارٍ مِنْ عُيُونٍ وَغِمَارٍ تَنْبَعُ فِي \لبِقَاعِ وَ\لجِبَالِ. 8 أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ وَعَسَلٍ. 9 أَرْضٌ ليْسَ بِالمَسْكَنَةِ تَأْكُلُ فِيهَا خُبْزاً وَلا يُعْوِزُكَ فِيهَا شَيْءٌ) [التثنية: الإصحاح 8 - الآيات 7, 8, 9].
وفي سفر القضاة [18/ 10]:

(... لِأَنَّنَا رَأَيْنَا الْأَرْضَ وَهُو َذَا هِيَ جَيِّدَةٌ جِدّاً وَأَنْتُمْ سَاكِتُونَ. لاَ تَتَكَاسَلُوا عَنِ الذَّهَابِ لِتَدْخُلُوا وَتَمْلُكُوا الْأَرْضَ. 10 عِنْدَ مَجِيئِكُمْ تَأْتُونَ إِلَى شَعْبٍ مُطْمَئِنٍّ وَالْأَرْضُ وَاسِعَةُ الطَّرَفَيْنِ. إِنَّ الْلّهَ قَدْ دَفَعَهَا لِيَدِكُمْ. مَكَانٌ لَيْسَ فِيهِ عَوَزٌ لِشَيْءٍ ممَّا فِي الْأَرْضِ)!

فتلك الآيات تلخص هدف الكتبة. والقارئ النزيه لحقيقة التوراة يصل إلى ذلك بيسر وسهولة, ويدرك الإسقاطات والتزوير.
وعلى أرضية تلك الأيديولوجيا التوراتية يعتدي الغزاة الإسرائيليون على كنعان المسالم المطمئن في أرضه, ليقتلوه ويسرقوا أرضه وينهبوا خيراته ويستبيحوا نساءه ويستعبدوا أولاده..
فهل المطلوب من كنعان الطيب أن يمنحهم أرضه وممتلكاته, ويسلم رقبته لشفرة السيف والنوارج؟!
لم يستسلم كنعان, وناضل وضحى من أجل أهله وشعبه وأرضه وممتلكاته.. ونصوص الأسفار على امتدادها تتحدث عن استمرار القتال بين الشعب الكنعاني/ الفلسطيني والغزاة الهمج؛ فالإسرائيليون هم المعتدون وكنعان دافع عن حريته وكرامته وحقوقه وكينونته.. ولم يتوقف عن كفاحه ولم يدع الغزاة يستقرون آمنين.. وذاك ما يقرأه المنصف.
لقد أثر الغزو الثقافي اليهودي على فهم مؤرخينا للتاريخ القديم, ولعبت شجرة العائلة التوراتية فعلها. ومع أن مؤرخينا ذكروا أن كنعان من أجدادهم العرب ولكنهم أسقطوه من خارطة الكرامة البشرية ليلهثوا وراء حقد كتبة التوراة وجشعهم وأنانيتهم وطمعهم بأرض كنعان!
وبالتالي أفنوا كينونته, وجعلوا بني إسرائيل يمتلكون فلسطين وبلاد الشام.. ولم ينتبه معظمهم إلى أنفسهم وهم يتابعون سرد تاريخ الإسرائيليين بأنه بين فينة وأخرى يتحدثون عن قتال بين الإسرائيليين والكنعانيين أو الفلسطينيين, فكيف ذاك وقد أفنوا كنعان ودفنوه, ورحلوا من بقي منه ليتحول إلى شعب آخر في إفريقيا وهم البربر؟!
وقد انتبه ابن حزم إلى ذلك وبالتالي اعترف بكفاح شعب كنعان, كما أنه رفض أن يكون الإسرائيليون قد سيطروا على فلسطين كلها, بل عدهم كاذبين وأخذ يحسب بالأميال ما سيطروا عليه ولفترات ليست بالدائمة, فظهرت له رقعة صغيرة لا أكثر, والسبب واضح وهو مقاومة ونضال شعب كنعان (التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم) (3).
فلماذا انتبه ابن حزم لتلك القضية ولم ينتبه لها مؤرخونا؟!
ولما أخفق الكتبة بمشروعهم ولم يقدروا على استعباد كنعان, عكس لاشعورهم انتصارات وهمية؛ فصار الإسرائيلي ممثلاً بداود الولد الصغير رمز الشجاعة والذكاء؛ فبالمقلاع يقضي على رمز الفلسطينيين جالوت المدجج بالسلاح. ومن مؤرخينا من زايد على الحكاية فجعل حجر المقلاع يتناثر إلى ثلاثة: فالأول يقضي على جالوت والثاني يقضي على ميمنة جيشه والثالث يقضي على ميسرته!
لقد كان صعباً على مؤرخينا القدماء أن يستوعبوا مقصود عزرا بمقلاع داود؛ وهو تصوير الفلسطيني, بأنه برميل مصفح أجوف وخال من العقل. بينما اليهودي الشجاع والذكي يفكر بعقله ويقدر أن ينتصر بسهولة على عدوه مهما كان قوي الجسم ومدججاً بالسلاح!
وتلك الفكرة نشرها وعممها الغرب والصهاينة في كتبهم وموسوعاتهم, فقد جعلوا الكنعانيين/ الفلسطينيين قبيلة هامشية مرت عرضاً في تاريخ الإسرائيليين الأصيل في فلسطين. وجعلوا الفلسطيني المجسد في جالوت طبلاً أجوف وضخامة فارغة وعقلاً أخرق! بينما جعلوا الإسرائيلي المجسد في داود الذكي والشجاع رمز البناء والتقدم والتطور.. !
ومن الانتصارات الوهمية الأخرى التي عكسها اللاشعور عند الكتبة حكاية شمشون المسروقة من تراث المنطقة. ونقلها مؤرخونا فصارت حكاية شمشون البطل الإسرائيلي وزوجته الفلسطينية الخائنة والغادرة!
والأسفار بعد أن وجدت كنعان أمامها صلباً في صموده وتصديه لهم لم ترد أن ترى الحقيقة, فلجأت إلى خداع الذات؛ فادعت بأن شعب كنعان أنهته, وبأن الذي يقاتلهم هو شعب آخر غير كنعان, إنهم فلسطينيون غرباء قدموا من جهة البحر!
وهم بذاك جعلوا الصراع الأساسي في فلسطين، يدور بين الإسرائيليين أصحاب الأرض الشرعيين الذين عادوا من الأسر المصري إلى أرض آبائهم وأجدادهم بإرادة مطلقة من يهوه وبصك أبدي، وبين الفلسطينيين الوثنيين والمتخلفين الهمج، وهم غرباء أجانب لا علاقة لهم بفلسطين!
إن الفلسطينيين هم أنفسهم الكنعانيون الذين لم يرضخوا لمطامع بني إسرائيل وظلوا يقاتلونهم حتى النهاية.
***
تلك لمحات عن كنعان المغيب عند مؤرخينا, والتي اعتمدنا فيها على التوراة نفسها, ولكن مؤرخينا القدماء قفزوا فوقها وتجاهلوها. وهذا يجعلنا نستنتج بأن مؤرخينا لم يكونوا منصفين وعادلين مع كنعان!
*     *     *
هوامش الفصل السادس: ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء
(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل - ج 1 - ص 98 , 99.
(2) جميل خرطبيل: الشخصيات الأسطورية في العهد القديم وثالوث عزرا – ص 123.
(3) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل - ج 1 - ص 102.
*     *     *
الخاتمة:
انعكاس أخطاء المؤرخين القدماء على المعاصرين
إن ما كتبه علماؤنا القدماء في التاريخ أو التفسير.. اعتمد على الجمع, دونما دراسة أو تمحيص أو اعتماد على منهجية. وهذه العقلية التجميعية/ التكرارية وصلت إلى طريق مسدودة, حيث أخذت المؤلفات تتناوب ما بين اختصار وتطويل وشروحات وحواشٍ على الشروحات.. مما أدى في النهاية إلى تراكم كمي في تراثنا بكل تنوعاته حتى الفقه والنحو.. ولم ينتج قفزة نوعية باتجاه الإبداع والتطوير بحسب القانون الطبيعي, والسبب لأن ذاك الكم لم يكن تنوعاً كيفياً إنما كان تكريراً, حيث سيطرت معلومات محددة تداولها المؤلفون عن بعضهم عبر الزمن, كنسخ كربونية.
وهم بانحيازهم إلى النص التوراتي كحقيقة, شرعوا الأبواب للغزو الثقافي اليهودي؛ فانتقل التراث اليهودي إلى التراث الإسلامي عبر قناة الأخبار والقصص والتاريخ القديم ولا سيما تاريخ الأنبياء!
وما ارتكبه المؤرخون والمفسرون القدماء من أخطاء بحق فلسطين وكنعان وبلاد الشام ومصر والعراق.. ما زلنا نكتوي بناره حتى الآن؛ فهناك كثير من المعاصرين يكرر مقولاتهم.. مما أوقع تلك الكتابات في مأزق ووضعها أمام إشكالية حرجة, ولا سيما أمام استعمار فلسطين وقضية القدس ومشروع إعادة بناء هيكل سليمان..
ونذكر من هؤلاء مصطفى مراد الدباغ (1) ومحمد عزة دروزة وأحمد السوسة (2)... وكذلك المفسرين الحديثين كسيد قطب والصابوني وعفيف طبارة..
ونتيجة ذلك أيضاً تخبط بعض المفكرين والباحثين في مناقشة الصهيونية, ففي أطروحاتهم ربطوا يهود العصر بيهود التاريخ, وربطوا يهود التاريخ ببني إسرائيل, ومملكة داود وسليمان المزعومة..
وهم يردون على الصهاينة بمنطق القدماء نفسه:
الوعد ينطبق على الماضي في عصر بني إسرائيل, في زمنهم, وليس على امتداد الزمان كله, وكان مشروطاً بالتمسك بالدين..
ويتابعون: نعم أقام أجدادكم المملكة, لكنها لم تدم طويلاً فهي لم تتجاوز السبعين سنة أو المئة أو المئتين... ثم انهارت وتحطمت وانتزع كل شيء منكم. ولما جاء الإسلام انتهى أمركم وطوى الصفحة نهائياً وإلى الأبد!
وأمام هكذا طرح خاطئ لا تكون المشكلة كم من الزمن استمرت المملكة، ومتى انتهت.. فهنا ثلاثة أخطاء فاحشة:
1- الاعتراف بارتباط اليهود الحاليين بيهود التاريخ, وارتباط يهود التاريخ ببني إسرائيل القدماء. وهذا يعني جعل اليهودية إثنية.
2- الإقرار بتاريخية التوراة وجغرافيتها على أرض فلسطين.
3- الاعتراف بقيام المملكة المزعومة, وهيكل سليمان..
والصهيوني يكتفي بما حصل عليه من الإقرار, ويعلن بأنه يؤمن بالوعد المطلق وهو الوريث الشرعي له, ومن ثم لا تهمه فكرة أن الإسلام أنهى ذلك أم لم ينهه, لأنه لا يؤمن بالإسلام. ومنطقه الوحيد قائم على الخزعبلات المدعومة بالبندقية. فهو يدعي بأنه استعاد جزءاً من حقه التاريخي الذي صودر منه منذ أن طردهم الرومان, وطبعاً في أعماقه الاستعمارية: والبقية قادمة!
إن الرد لا يكون في الدخول إلى متاهة التزييف الصهيوني واليهودي, إنما يكون بتصحيح أخطاء الماضي وعدم تبنيها والاعتماد على الأسس السليمة؛ فلا توجد أية علاقة أو رابطة إثنية/ عرقية لليهود المعاصرين بيهود التاريخ وبني إسرائيل القدماء. فالتجمعات اليهودية تختلف في جنسها/ عرقها/ إثنيتها.. والانتماء إلى اليهودية هو انتماء إلى الديانة..
ويهود العالم معظمهم أوروبيون أشكناز من أصل خزري, ونسبتهم اليوم أكثر من 80 % بحسب الموسوعة البريطانية, وحوالي 85 % بحسب موسوعة الإنكارتا (3).
كما أنه لا يوجد دليل علمي واحد يثبت أن إبراهيم ونسله كانوا في فلسطين، وكذلك مجيء موسى ودخول يوشع إلى فلسطين، وأيضاً بناء داود وسليمان للمملكة المزعومة والهيكل.. فكل ذاك تاريخ ديني. وعلماء الآثار الموضوعيون يؤكدون ذلك.
إن مناقشة الصهاينة ليست أكثر من مماحكات فارغة إن تم التسليم بالتوراة، فالأسفار ليست وثيقة تاريخية ولا جغرافية، ولا يمكن أن تكون الهلوسات علماً. والكاتب الواعي لا يساير من يؤمن بتلك الأساطير, ولا يقبل بأخطاء مؤرخينا القدماء. فهم قد عرّفوا اليهود بشعب وأمة, مثل الشهرستاني حيث عرف اليهود بـ: (أمة موسى عليه السلام) (4).
وسحب ذاك التعريف الخاطئ على امتداد التاريخ اليهودي المزعوم, يعني الإقرار بنقاء العرق اليهودي المتوارث عبر التاريخ لأكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة سنة, وهذه فكرة عنصرية لم يقلها أحد سوى النازية والصهيونية!
إن اليهود لا يمتون بأية صلة إثنية ليعقوب أو لموسى أو لداود وسليمان. ولا علاقة للارتباط الديني بالجغرافيا أو التاريخ أو العرق والجنس, كما هو الحال بالنسبة للمسيحي الأوروبي أو الروسي وكذلك المسلم الباكستاني أو التركي...!
كان سهلاً على الكاتب المؤمن بخرافة الوعد التوراتي أن يسأل الصهيوني: ما علاقتك الآن أنت أيها الصهيوني بذلك الوعد، فهل أنت من سلالة يعقوب أيها المحترم!؟
فالوعد بحسب التوراة كان لأسباط يعقوب إثنياً وليس دينياً فلم تكن هناك ثمة ديانة, وقد انقرضوا كلهم.
وحتى موسى وجماعته إذا تجاوزنا قضية كونهم من السلالة أو لا, هم أيضاً انقرضوا جميعاً قبل وأثناء السبي باعتراف الأسفار. ثم ظهرت اليهودية كدين جديد مع الكتبة ولم تكن الرابطة إثنية مطلقاً.
***
إن تغيير منهج البحث وآليته وتغيير الطرق التقليدية في التفكير والنقاش, يتبعه تغيير في المنظومة الفكرية.. وهذا ما يساعد في إعادة دراسة التاريخ الفلسطيني القديم, بل دراسة التراث العربي الإسلامي على ضوء العقل والعلم والمعرفة, وهذا يؤدي بالضرورة إلى تحديث الفكر العربي. فتحت شعار قضية التراث والمعاصرة وقع كثيرون وما زالوا يقعون في تزييف واستغباء العقل العربي. ولقد آن الأوان لنمتلك العقل الحكم النزيه والناقد الموضوعي والرؤية الشاملة.. بدلاً من تلك النظرة المتشنجة التي تدعي أن كل شيء قديم مقدس, وهي ترفض وجود السلبيات والأخطاء وتجد المبررات الجاهزة لها, وكذلك رأيها في التاريخ والأحداث والحكام وكل ما كتب.. تلك النظرة التي تجمع التناقضات كلها والإيجابيات والسلبيات في سلة واحدة, وتختلق المبررات الواهية لتعليل الثغرات والنواقص والأخطاء, مما يجعل التبرير سمة من سمات الفكر العربي!
ومهمة المؤرخين المعاصرين في بحثهم عن الحقيقة بموضوعية, صعبة. فليس الأمر سهلاً أمام بحر من التراث كتب باتجاهات متعددة وبدوافع متعددة؛ فمنه ما كتب من وجهة نظر السلطة ومنه ما كتبته المعارضة, ومنه ما كان نتيجة الأهواء والاتجاهات والتحزبات, ومنه ما كان مغرضاً أو متحاملاً أو مناصراً دونما استناد إلى الحقيقة الموضوعية.. ومنه ما اختلط فيه الخيال بالحقيقة, أو شطح نحو الخرافة والأسطورة..
وليست القضية أمام ذاك الخليط مجرد تمسك بالتراث والتغني به, بقدر ما هي مدى مساهمة التراث في بلورة هويتنا ومساعدتنا في نهضتنا وقدرتنا على مواجهة الإمبريالية والاستعمار الصهيوني وما يحوكانه هما وآخرون ضدنا باستنادهم البراغماتي إلى ذاك التاريخ التوراتي المزيف.
إن سايكس/ بيكو جزأت الحاضر, ولكن سايكس/ بيكو الأخرى الفكرية والثقافية جزّأت ماضينا, وما زالت تحاول غسل أدمغتنا ومسخنا وتقزيمنا.
وهي بعد أن صادرت جغرافية فلسطين وتاريخنا القديم وذاكرتنا لصالح الصهيونية ولصالح مشروعها الاستعماري لفلسطين, تريد استلاب حاضرنا!
ولكن العربي ليس عاجزاً عن البحث والدراسة, واستعادة حقه المستلب في كشف تاريخه وماضيه, وتجسير ما ضيعه الغرب من ذاكرته.
وصراعنا ضد الصهاينة والإمبريالية الأمريكية ليس مجرد صراع سياسي وعسكري فقط، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك صراع حضاري وثقافي وفكري وتاريخي.. صراع وجود وكينونة وهوية..
*     *     *
هوامش الخاتمة
(1) لقد قدم الدباغ خدمة عظيمة لوطنه فلسطين وشعبه من خلال موسوعته الرائعة: بلادنا فلسطين. فقد تحدث بإسهاب عن جغرافية فلسطين وتاريخ الكنعانيين وحضارتهم..
لكن الخلل عنده عندما وصل في تاريخ فلسطين إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد وتقريباً منذ عام 1805 ق. م وحتى منتصف القرن الثاني للميلاد, حيث اعتمد على التاريخ الديني المزيف سواء التوراتي أو الغربي أو المؤرخين العرب القدماء.
راجع على سبيل المثال الجزء الأول – القسم الأول من الصفحة 335 وما بعدها حول فضل الأرض المقدسة وبيت المقدس.. ومن الصفحة 543 وما بعدها حول مجيء موسى إلى فلسطين ودخول يوشع إليها.. ومن الصفحة 555 وما بعدها حول "تأسيس اليهود لمملكة في فلسطين".. وفي الصفحة 560 معبد سليمان..
ولنلاحظ العنوان الجارح "تأسيس اليهود لمملكة في فلسطين" فقد دمج اليهود بالإسرائيليين ومنحهم الرابطة التاريخية الجنسية المطلقة, وصادق على أكاذيب التوراة!
وما ذكره الدباغ ليس إلا تكراراً لما قيل قديماً, فهو نسخة إضافية يكتبها ابن القضية!
(2) لقد سار معظم المؤرخين والمفسرين والمفكرين على طريق القدماء, وما وقع فيه الدباغ ارتكبه ابن القضية الآخر دروزة كما ارتكبه مؤرخون كثر كأحمد السوسة وغيره..
(3) الموسوعة البريطانية: (Britannica) (CD) - مادة Ashkenazim. وموسوعة الإنكارتا: (Encarta) (CD) - مادة (Ashkenazim).
(4) الشهرستانيالملل والنحل - ج 1 ص 210.
وترد في ج 1 – ص  209: (... والأمة اليهودية...).
ونلاحظ أن تلك المفاهيم الخاطئة استمرت في الأبحاث المعاصرة, فقد جاء في الموسوعة العربية في تعريف اليهودية: (ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه الصلاة والسلام, والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل والذين أرسل الله إليهم موسى عليه الصلاة والسلام مؤيداً بالتوراة ليكون لهم نبياً. واليهود كتابيون "الموحدون" في الأصل ولكن كانوا يتجهون إلى التعدد والتجسيم والنفعية مما أدى إلى كثرة الأنبياء فيهم لردهم إلى جادة التوحيد كلما أصابهم انحراف في مفهوم الألوهية، وقد اتخذوا العجل معبوداً لهم بعيد خروجهم من مصر.. ) (الموسوعة العربية).
فالموسوعة دمجت إثنياً العبرانيين والإسرائيليين واليهود معاً؛ فهي تتحدث عن بني إسرائيل في عهد موسى وقد ربطتهم إثنياً بالنبي إبراهيم, ثم انتقلت فجأة لتتحدث عن اليهود وعبادتهم العجل بعد خروجهم من مصر زمن موسى, فاليهود هم بنظرها بنو إسرائيل وهم العبرانيون المنحدرون من إبراهيم!!
*     *     *
المصادر والمراجع

المصادر التاريخية:
آ- مكتبة التاريخ والحضارة (CD) - التراث – إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 – الأردن – عمان  - 1999- ومنه:
1- تاريخ الأمم والملوك: محمد بن جرير الطبري أبو جعفر - دار الكتب العلمية - بيروت -  سنة النشر 1407.
2- البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء - مكتبة المعارف – بيروت.
3- البدء والتاريخ: مطهر بن طاهر المقدسي - مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة.
4- تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العباسي - دار صادر- بيروت.
5- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج – تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا - دار الكتب العلمية – بيروت - الطبعة  الأولى – 1992.
6- فتوح البلدان: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري - تحقيق رضوان محمد رضوان - دار الكتب العلمية – بيروت 1403.
7- فتوح الشام: أبو عبد الله بن عمر الواقدي - دار الجيل – بيروت.
8- فضائل بيت المقدس: محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي – تحقيق محمد مطيع الحافظ - دار الفكر - الطبعة الأولى – سورية – 1405.
9- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي "حاجي خليفة" - دار الكتب العلمية – بيروت – 1992.
10- الفهرست: محمد بن إسحاق أبو الفرج النديم - دار المعرفة – بيروت - 1398 – 1978.
11- أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: صديق بن حسن القنوجي.
12- معجم البلدان: ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله - دار الفكر – نشر بيروت.
ب- التاريخ الإسلامي (CD) شركة العريس للكمبيوتر - 2002 - ومنه:
1- السيرة الحلبية: الحلبي.
2- قصص الأنبياء: ابن كثير.
ج- شركة سما للبرمجيات (CD):
1- تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر).
2- الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري الملقب بعز الدين.
كما أصدرت كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (مكتبة التاريخ والحضارة (CD) - التراث – إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 - الأردن – عمان - 1999), تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي.
د- تاريخ دمشق: ابن عساكر (CD) – التراث – إعداد الخطيب - الأردن.
مصادر التفسير:
آ- مكتبة التفسير وعلوم القرآن (CD) – التراث – إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 – الأردن – عمان 1999- ومنه:
1- تفسير البيضاوي: البيضاوي – تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة - دار الفكر – بيروت 1996.
2- الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله – تحقيق أحمد عبد العليم البردوني - دار الشعب – الطبعة الثانية – القاهرة.
3- تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء - دار الفكر – نشر بيروت 1401.
4- جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر - دار الفكر – نشر بيروت 1405.
5- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني - دار الفكر - نشر بيروت.
6- الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن – تحقيق صفوان عدنان داوودي - دار القلم , الدار الشامية - دمشق , بيروت – الطبعة الأولى 1415.
7- تفسير مجاهد: مجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج – تحقيق عبد الرحمن الطاهر محمد السورتي - المنشورات العلمية – بيروت.
8- تفسير سفيان الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله - دار الكتب العلمية - بيروت 1403 - الطبعة الأولى.
9- معاني القرآن الكريم: أبو جعفر النحاس – تحقيق محمد علي الصابوني - جامعة أم القرى - مكة المرمة 1409- الطبعة  الأولى.
10- تفسير القرآن: عبد الرزاق بن همام الصنعاني - تحقيق د. مصطفى مسلم محمد - مكتبة الرشد – الرياض 1410 - الطبعة الأولى.
11- الجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي): عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
12- تفسير النسفى: أبو البركات عبد الله ابن أحمد بن محمود النسفى.
13- معالم التنزيل (تفسير البغوي): الحسين بن مسعود الفراء البغوي أبو محمد – تحقيق خالد العك ، مروان سوار - دار المعرفة – بيروت 1407 – 1987 - الطبعة الثانية.
14- زاد المسير في علم التفسير (تفسير ابن الجوزي): عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي - المكتب الإسلامي – بيروت 1404 - الطبعة الثالثة.
15- الدر المنثور: عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي - دار الفكر – نشر بيروت 1993.
16- تفسير الجلالين: محمد بن أحمد ، وعبد الرحمن بن أبي بكر المحلي والسيوطي - دار الحديث – القاهرة.
17- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (تفسير الألوسي): محمود الألوسي أبو الفضل - دار إحياء التراث العربي – بيروت.
ب- مكتبة علوم القرآن والتفاسير (CD): السلسلة الإسلامية - شركة العريس للكمبيوتر 2002:
اعتمد عليه في نسخ النصوص لأنها أوضح: وهو يحتوي عشرة تفاسير هي:
تفسير الطبري والنسفي والبيضاوي وابن كثير والثعالبي والقرطبي والسيوطي "الدر المنثور" والبغوي والألوسي والجلالين.
ج- جامع المعاجم (CD): شركة العريس للكمبيوتر 2002 – ومنه:
1- البحر المحيط في التفسير: للشيخ أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي.
مصادر ومراجع متنوعة:
آ- كتب من شبكة الإنترنت:
1- الكتاب المقدس: موقع الكنيسة القبطية.
2- مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي (شبكة الإنترنت – الوراق).
3– جمهرة أنساب العرب: ابن حزم الأندلسي ( شبكة الإنترنت - مشكاة الإسلامية – المكتبة).

4- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: د. جواد علي.

5-  موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: د. عبد الوهاب المسيري - موقع المسيري على شبكة الإنترنت.
ب- كتب من أقراص (CD) متنوعة:
الكتاب المقدس مع ترجمة KJVالإصدار 2،2 98.
- Library Of The Future - 4th Edition:
The History Of Herodotus: by Herodotus - translated by George Rawlinson.
- مكتبة الأدب – التراث – إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 – الأردن – عمان 1999 – ومنها:
1- صبح الأعشى في صناعة الإنشا: أحمد بن علي القلقشندي – تحقيق  د. يوسف علي طويل - دار الفكر- دمشق 1987 - الطبعة الأولى.
- المكتبة الألفية للسنة النبوية: التراث - إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 – الأردن – عمان 1999 - ومنها:
- صحيح مسلم.
مكتبة العقائد والملل: التراث – إعداد الخطيب – الإصدار 1.5 – الأردن –عمان 1999- ومنها:
1- الفصل في الملل والأهواء والنحل: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الطاهري أبو محمد - مكتبة الخانجي – القاهرة.
2- الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني -  تحقيق محمد سيد كيلاني - دار المعرفة - بيروت 1404.
3- إفحام اليهود وقصة إسلام السموءل ورؤياه النبي صلى الله عليه وسلم:  السموءل بن يحيى بن عباس المغربي – تحقيق د. محمد عبد الله الشرقاوي - دار الجيل – بيروت 1990 - الطبعة الثالثة.
4- أخبار النحويين: عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم.
- الموسوعة الشعرية – الإصدار الثالث – المجمع الثقافي 1997 – 2003 – دبي - ومن مكتبتها:
1- نهاية الأرب في فنون الأدب: النويري.
2- العقد الفريد: ابن عبد ربه.
3- المدهش: ابن الجوزي.
5- الرسائل: الجاحظ.
ج- الموسوعات الإلكترونية:
1- الموسوعة العربية - شركة العريس للكمبيوتر – إصدار 2001.
2- الموسوعة البريطانية: (Britannicaإصدار 2005.
3- موسوعة الإنكارتا: (Encarta- إصدار 2005.
4- دائرة المعارف الكتابية.
د-  مراجع معاصرة "كتب ورقية":

1- مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين - ج 1 - القسم الأول - ط 1- منشورات دار الطليعة - بيروت 1965.

2- د. معاوية إبراهيم: فلسطين من أقدم العصور إلى القرن الرابع قبل الميلاد - الموسوعة الفلسطينية - القسم الثاني - الدراسات التاريخية - ط 1 – بيروت 1990.

3- جميل خرطبيل: الشخصيات الأسطورية في العهد القديم وثالوث عزرا: الوثنية, العنصرية, الاستعمار - دار النمير - دمشق - 2002.

4- د. كمال الصليبي: التوراة جاءت من جزيرة العرب - ترجمة عفيف الرزاز - مؤسسة الأبحاث العربية ش. م. م - الطبعة العربية الثانية 1986.


5- د. أحمد داود: تاريخ سوريا القديم ( تصحيح وتحرير) - سلسلة سوريا وعودة الزمن العربي الكتاب الأول - دار المستقبل - دمشق - طبعة أولى 1986.

6- د. أحمد داود: العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود - دار المستقبل - دمشق - الطبعة الأولى 1991.

7- توماس طومسون: الماضي الخرافي - التوراة والتاريخ: ترجمة عدنان حسن - مراجعة زياد منى - قدمس للنشر والتوزيع - الطبعة 1 لعام 2001 - دمشق.

8- توماس طومسون: التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي - ترجمة: صالح علي سوادح - الطبعة 1- بيسان للنشر والتوزيع - بيروت 1995.

9- روجيه جارودي: فلسطين أرض الرسالات الإلهية - ترجمة: د. عبد الصبور شاهين - مكتبة دار التراث - القاهرة 1986.

10 - موريس بوكاي: دراسة الكتب المقدسة - دار رشا - بيروت.

11- ول ديورانت: قصة الحضارة - ترجمة: زكي نجيب محمود - جامعة الدول العربية - دار الجيل, دار الفكر - 1988 – بيروت.
12- سيد قطب: في ظلال القرآن – دار الشروق – الطبعة السادسة - 1978.
13- عفيف عبد الفتاح طبارة: اليهود في القرآن – الطبعة التاسعة - دار العلم للملايين – بيروت 1982.


ليست هناك تعليقات: